Al Jazirah NewsPaper Saturday  11/07/2009 G Issue 13435
السبت 18 رجب 1430   العدد  13435
غفر الله لك يا عاشقة الحرم
فهد بن محمد العيسى

 

لم يكن ذلك اليوم يوماً عادياً فمنذ الصباح الباكر والتوجس والخيفة تنتاب الأسرة ككل، بل إن ذلك الأسبوع كله لم يكن أسبوعاً عادياً أبداً فمنذ أدخلت والدتنا المستشفى تغيرت أحوال كثيرة في حياتنا، فوالدتنا بالنسبة لنا نحن أبناءها العشرة كل شيء في حياتنا فهي الأب بعد وفاته غفر الله له وهي الأم وهي الصديق وهي المحامي عن أبنائها وهي الأخت وهي المستشارة وهي الملجأ لنا جميعا بعد الله على الرغم من كبر سن أغلبنا نحن أبناءها وكبر سنها هي.

كان دخولها المستشفى كآخر مرة تدخله فاجعة لتدهور حالتها الصحية ما لبثت أن توفيت. فقد كانت تعاني من مرض العصر منذ سنوات ونحن لا نعلم عنها تتحمل الألم والتعب دون الرجوع إلينا بل إنها تأخذ سائقها الخاص وتذهب به إلى المستشفى للعلاج دون علمنا وعندما نسألها تقول ألم بسيط لا تريد إزعاجنا أبداً ولا تريد الرحمة والشفقة من أحد هذه هي والدتنا المرحومة بإذن الله تعالى (سلمى بنت سليمان الجمهور) ابنة الشيخ - سليمان بن محمد الجمهور (رحمه الله) أحد رجال العلم والقضاء في عهد الملك المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود غفر الله له ولوالدينا.

لا تود إزعاج أحد، تهتم بمشاكل الصغير قبل الكبير تحل مشاكل أبنائها المتزوجين تتفقد أحوال أقاربها وأصحابها وجيرانها تقوم بجولات مكوكية وتسافر من جدة إلى أبها وإلى الرياض وإلى مكة وإلى الشرقية لزيارة أبنائها وبناتها وأقاربها وجيرانها تجلب لهم الهدايا وتفرح لفرحهم وتشاركهم أحزانهم لا تتأخر عن أي مناسبة اجتماعية تدعى لها.

لم تكن ترتاح أبداً إلا في حبها الأول وعشقها الدائم (مكة المكرمة) في الحرم فهو مؤنسها وهو حبها الذي عاشت وماتت من أجله كونت كثيرا من الصحبة الصالحة والصداقات في الحرم أصبح مكانها معروفا في الحرم هذا مكان (أم سليمان) يتردد عليها كثير من المحتاجين تساعدهم بما تستطيع وبما تجود بها نفسها ترهق نفسها كثيرا في العبادة أيام الشهر الفضيل شهر رمضان المبارك على الرغم من كبر سنها وعدم تحملها كما كانت سابقا أكملت (19) عاما في مكوثها في الحرم بعدة أماكن معروفة فيه خاصة طيلة شهر رمضان المبارك حتى العام الماضي وهو آخر رمضان لها في الحياة رفضت نصيحة أبنائها بالمكوث في جدة في منزلها للراحة كونه اشتد بها المرض بل آثرت الذهاب إلى مكة وهي متعبة على الكرسي المتحرك لعشقها الدائم للحرم والصلاة فيه. حتى في عز الصيف وفي حره الشديد تأتيها العروض الصيفية للذهاب بها إلى المصايف في أوروبا والدول العربية ترفض جميع هذه العروض وتذهب لعشقها الأبدي مكة المكرمة على الرغم من شدة الحر وتتلذذ بالصلاة في صحن الحرم.

غرست كل هذه القيم والمبادئ والأخلاق الفاضلة في أبنائها حب الناس وخدمتهم وحب مكة والحرم كانت تستأجر المنزل الكبير لهم في مكة خلال شهر رمضان المبارك لكي ترغب أبناءها في مكة والحرم تجهز لهم الإفطار وتؤكد عليهم تفطير الصائمين معهم لكسب أجرهم.

لم تكن والدتي بالمرأة العادية فقد كان وقع وفاتها كبيرا في نفوس من عرفها، وعلى الرغم من وفاتها في محافظة جدة الساعة العاشرة صباحا واستلام جثمانها الطاهر وغسلها في إحدى المغاسل في جدة أكرمها الله سبحانه وتعالى بالصلاة عليها في عشقها الدائم مكة المكرمة في صلاة عصر ذلك اليوم الحزين ونحن نسابق الوقت ودفنها في جدة أقيم لها عزاء كبير في جدة والرياض وأبها ودعا لها الكثير.

نسأل الله لها الرحمة والمغفرة والفردوس الأعلى من الجنة.



- الشؤون الاجتماعية بجدة : nmr_5053@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد