Al Jazirah NewsPaper Saturday  11/07/2009 G Issue 13435
السبت 18 رجب 1430   العدد  13435
وارينا الحبيب الثرى
ابنك: علي بن حسين الصغير

 

صدع في الفضاء أذان الفجر في أول يوم من شهر رجب، وسماعه هزالوجدان قبل المسامع على غير المعتاد، وصلى المصلون وفقد الحبيب من بينهم, وأشرقت شمس ذلك اليوم ولكن شروقها يختلف عن باقي الأيام فأرى أن ضوءها باهت لعيون أغرورقت بالدموع ولقلب تفطر من الوجد والحزن لحبيب فارق الدنيا التي طالما زهد فيها.

غادر الرجل الطيب الوالد حسين بن صالح الصغير الذي كنت أرى سمات طيبة القلب في وجهه، وكان في فقدانه أثر بالغ في قلوبنا، كنت كلما جئت لزيارته ترى في وجهه أثر البشر والسرور بقدومك، ويلهج لسانه بأحسن وأعذب كلمات الترحيب والاستقبال فكأن الزائر أغلى شخص عنده، وإذا بدأت بالحديث فكأنه لا يستأنس بالحديث إلا معك، وهذا أسلوبه الرائع - رحمه الله - مع جميع من يعرف من رجال ونساء وأطفال، ومن حسن تعامله جعل لكل شخص من أبنائه وبناته وأحفاده لقبا يشعر فيه بتميزه عن الآخرين، كان- رحمه الله- كثيرا مايوجه النصائح الدينية والدنيوية للجميع، ويكثر من الوصية لهم بالحرص على تقوى الله والإكثار من الأعمال الصالحة،كنت في جلوسي معه وحديثي أحس بحبه للآخرين وطهارة قلبه من الحقد والحسد، وحرصه على أداء حقوق الآخرين، وأن يبرئ ذمته من أي حق عليه، والأعظم من ذلك تنازله- رحمه الله- عن الحقوق التي له على الآخرين، ويتجاوز عنهم لعل الله أن يتجاوز عنه، وكان زاهدا في الدنيا لا يراها إلا معبر طريق للآخرة يتزود منها بقدر حاجته، وهذا يدل على حرصه للقاء رب الأرباب وهو راض عنه، فقد كان رحمه الله رجلا صالحا تقيا نحسبه كذلك والله حسيبه ومن عمار المساجد حيث يخرج للصلاة قبل الأذان، وإذا أذن وهو لم يشعر بمرور الوقت خرج مسرعا كأنه لا يعرف من كان يحادثه عند ارتفاع الأذان, أما المشي بالظلم فكان يخرج إلى المسجد متكئا على عصاه قبل صلاة الفجر بساعتين راجيا أن يكون ممن تتجافى جنوبهم عن المضاجع خوفا وطمعا, وقررت له عملية في عينه، وفي حينها قال للدكتور: أريد أن أرى بعيني حتى أستطيع أن أقرأ القرآن في رمضان. فهمه الأكبر في الرؤية هو قراءة القرآن فقط.

أحبه كل من رآه الصغير والكبير مواطنين ووافدين, فيسأل كل شخص عن حاله وحال أبنائه وأهله ويكرم ضيافتهم. مات الشيخ الطيب وافتقده الصغير قبل الكبير، فكل شيء وكل بقعة في البيت يذكر به, فهناك من يصلي في مكان صلاته، وهناك من يصلي على سجادته, وهناك من يقتدي به في صلاته الخاشعة, حتى ارتفاع الأذان مجلجلا في الفضاء يذكر به, ويذكر بانتفاضته قائما ملبيا نداء ربه لقد ترجل من الدنيا والدنا العزيز- رحمه الله- وخلف من ورائه بإذن الله من يحيون ذكره بدعاء له وبالاقتداء بأخلاقه, وتعامله وعبادته, فقد أثمر ما زرعته يا أبانا الغالي من قيم ومبادئ رائعة، لعل الله يرفع بهذه الثمار درجاتك في الجنان، ويغفر لك وينزلك منزلة الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا.

والدنا الغالي... نحن على يقين بإذن الله تعالى أنك سرت إلى خير ولقيت ربا راضيا غير غضبان، ويشهد بذلك الحضور من مصلين الذين ضاقت بهم جنبات المسجد الكبير, ومشيعين من كثرتهم لم يستطيعوا الوصول للقبر, ومعزين كثر استمروا بالعزاء أياما حضروا من داخل المملكة بل ومن خارجها الذين شهدوا لك بالخير ودعوا لك بالرحمة والمغفرة، ولكن ذرفت العين بالدمع، وحزنا على موتك لأننا فقدنا بابا من أبواب رحمة الله وبركته علينا، فقدنا الوجه البشوش المبتسم، وفقدت أسماعنا كلمات النصح والتوجيه والمحبة والتشجيع والثناء من المعلم الكبير, وعزاؤنا أن يجمعنا الله معك في جنات النعيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر على سرر متقابلين.

نسأل الله العظيم رب السماوات السبع والأرضين أن يتغمدنا وإياك بواسع رحمته ويجعل قبرك روضة من رياض الجنة.. وينعم عليك بريحها وريحانها ونعيمها، ويجعل منزلك في قبرك بشارة لك بالخير والنعيم المقيم، ويجعلنا وإياك من الوجوه المسفرة الضاحكة المستبشرة, وأن ييمن كتابنا وييسر حسابنا، ويسقينا من حوض نبيه ومن أنهار الجنة، وممن المتنعمين بنعيمها، وممن قيل لهم ادخلوها بسلام آمنين، ويرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم. ويجمعنا فيها والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات. وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد