مكتبه الصغير هناك منزوياً في أقصى الغرفة.. الأوراق متناثرة.. والحبر جف من طول الغياب.. الغبار يعتري المكان.. إحساسي بالغرفة إنها تشتكي هجران صاحبها..
الكتب كانت للفئران وجبة دسمة: تلعب على هذا وتنهش في هذا.. حرة طليقة!!
فتحت نافذة الغرفة.. صافحتني السماء بالهواء الحار.. نظرت إلى الأرض فإذا بها تنضب من تحتي.. رجعت للمكتب الصغير والذهول والدهشة كادا أن يقوداني للهوس.. نظرت علني أجد ورقة تدلني على صاحبها.. لم أجد شيئا سوى اليأس.. ساءلت الباب.. النافذة.. الوردة التي كانت تعطر المكان.. ولا مجيب!!
خرجت مسرعا وجلست على الرصيف.. ذلك المكان الهادئ الذي يعصف بالذكريات.. عندما كنت أنا وصديقي نجلس عليه.. نتجاذب أطراف الحديث.. فجمع هموم الدنيا ونتداولها في سهرتنا الليلية..
بكيت على الرصيف.. ندبت حظي المتعثر لفترة غيابي عندما أردت إتمام آخر مرحلة من مراحل دراستي السؤال الوحيد الذي كان يسامرني ويشاطرني حزني هو: ما الذي جرى أثناء غيابي!
أخذت أسأل هنا وهناك ولا أحد يعلم.. وجدت ذلك الشيخ الكبير الذي يجلس دائما أمام المسجد.. فسلمت عليه وسألته وصديقي جابر.. صد عني وقال: لا أعلم!
حينها تأكدت انه رحل ولكن إلى أين!
رجعت إلى غرفته الموحشة بعد أن كانت منارا للعلم والفكر.. تلك الغرفة التي كانت مجلسا لأرباب الفكر وصنوف المعرفة.
أراها الآن موحشة.. يلفها الظلام ويملؤها الغبار!
بقيت على حالها شهوراً.. أسأل ولا من مجيب.. الأرض قاحلة.. والسماء شاحبة والمياه تداعبها الأمواج.. هذا ما كنت أحسه.. وأراه.
رجعت إلى ذلك الرصيف وجلست أتأمل صورته.. أفكاره الخالدة.. حديثه الهامس.. نظرته المتأملة..
تذكرت كتاباته فبكيت حتى سالت الأرض من حولي تذكرت نضاله.. قوته.. فضحكت..
* *
عجوز قادمة نحوي.. أراها وكأنها تحمل الأمل لي مجدداً.. حدقت النظر بها.. اقتربت مني.. فإذا بها تحمل كوباً ساخناً من الشاي.. اقتربت أكثر فأكثر حتى وقفت أمامي..
أعطتني كوب الشاي الساخن وذهبت وهي تتمتم بكلمات جميلة حانية ودعوات صادقة.. أخذت أشرب الشاي فإذا بي أفيق من سرحاني.
فعلمت أن تلك العجوز هي جدتي بل إنها واقع انسجم مع ما كنت مشغولا به.. وحينها نهضت بعد ما كنت مستلقيا على ظهري وإذا بي أقرأ في كتاب (رحلة في وطن الخلود)!