Al Jazirah NewsPaper Monday  26/07/2010 G Issue 13815
الأثنين 14 شعبان 1431   العدد  13815
 

بكاءٌ على ضفاف الفرح

 

الدكتور الفاضل خالد المنيف قصتي من القصص الموجعة، فقد رزقت بأب أقل ما يقال إنه سادي متوحش ظالم كان يضرب والدتي ليل نهار ويعتدي عليها بأبشع السباب كان دائم الإهانة لنا جميعا وكنا نهابه ونتمنى اليوم الذي نبشر بموته، أخواتي الثلاث جنى عليهن بالتدخل السافر في حياتهن الزوجية حتى تطلق اثنتان منهن بظلمه وجبروته، أب لا يذكر بخير فلم نر منه خيرا قط في حياتنا، وقد تولت والدتي رحمها الله همّا كالجبال وتحملن مسؤولية تربيتنا والإنفاق علينا حتى ماتت قهرا وكمدا منه لا وفقه الله، حيث تزوج عليها وأسكنها في الدور العلوي وأعطاها كل الوقت وكل الاهتمام، وكان لا يمل من تحقير والدتي وهضم حقوقها، وأنا الآن بفضل الله ثم بفضل أمي الغالية التحقت بكلية الهندسة، وأنا الآن على أبواب التخرج وكونت نفسي فأنا أعمل في الليل في إحدى الشركات والآن سألتحق بها رسميا براتب ممتاز ومميزات رائعة، وقد خطبت من إحدى العوائل المحترمة والآن تربطنا بها علاقة، وقد اشترط علي والدها ابلاغ والدي وقد رفضت رفضا تاما وأحببت استشارتك في الموضوع، وفقك الله.

ولك سائلي الفاضل الرد:

ما قرأته في قصتك يسطر ضمن أروع ملاحم التضحية ودليل حي على أن المنح تولد من رحم المحن ومن أصعب الظروف يظهر العظماء:

لا يدرك المجد إلا سيد فطن

بما يشق على السادات فعال

فلله در والدة ربتك، وغفر الله وجعل ما أصابها رفعة لها في الآخرة:

يا قرة العين سل عيني هل اكتحلت

بمنظر حسن مذ غبت عن عيني؟!

وبالنسبة لحالك مع والدك فتتنازعني ثنائية من العواطف، الأولى تدعوك لمقاطعة هذا الأب الظالم سامحه الله، والذي اقترف جرما عظيما وفعل ما لا تفعله الوحوش مع صغارها وحرمانه من فرصة الاستمتاع بنجاحك وتفوقك؛ حيث لم يكن له أي دور في وصولك إلى ما وصلت إليه؛ فنجاح الأبناء أمنية حسناء وهدف سام يتطلع إليه الآباء الأسوياء، بل ويبذلون من أجله الغالي والنفيس، ويقدمون له أعمارهم سهرا وعرقا ومالا، وللأسف كان عقبة كؤودا وحاجزا منيعا تجاه نجاحك وراحة بالك، وكم هو مخز أن يعمى البشر عن نواميس الكون وحقائق الحياة، ومن أهمها أن الظلم دين سريع السداد ومن أعجب العجب أن يستسلم المرء لشيطانه فيخص اقرب الناس له بوابل من رصاص القسوة ويقصفهم بلا هوادة بصواريخ الجور المدمرة، وغره ضعف حيلتهم وقصر أيديهم، وقد أعذرك أيها البطل فيما لو أخفقت ولم تنجح في حياتك قياسا على الحياة الصعبة التي صنعها لكم والدك، ولكن الحكمة يجب أن تحضر في هذا الوقت مؤكدة أن العقلاء لا يدعون العاطفة تسيطر عليهم ولا يتركون الانفعالات تتحكم بمواقفهم، وهذا ما يرجح ثاني المشاعر والداعية لتحكيم العقل والمحفزة على الشفقة على والدك والعطف عليه وتمهيد الطريق له نحو العودة، والمعين على هذا هو تحكيم القيم والمبادئ والتي لا تحيد ولا تتغير، وأنت بهذا لديك هدف شامخ وغاية عظيمة تضيف إلى رصيدك الكثير ألا وهي رضا العزيز والفوز برحمته وما فيها من إراحة للضمير ومظنة بر الأولاد، وأوصيك أيها العاقل بالستر على والدك، وعدم ذكره بسوء وخصوصا عند زوجتك وأهلها، فيبقى والدك وله حق الأبوة، وفوق هذا أوصيك بحسن معاملته والإحسان إليه وزيارته وإكرامه ما يمكن فتلك الأخلاق الحقيقية وهذا التدين الأصيل.

وأخيرا أيها العزيز -رغم ما جاء في ثنايا رسالتك من تفاصيل موجعة وخلوها من العبارات الرشيقة والجمل المنمقة إلا أنها من أجمل الرسائل التي وصلتني؛ ففيها من معاني البطولة الحقة الكثير وقد عمرت بالقيم العذبة والكفاح المشرف وتشبعت بأنبل الأحاسيس-‏ أيها البطل ربما يتأخر شفاء الجروح ويطول زمن العلاج إذا كان الجرح عميقا، وكان المتسبب به من يفترض أنه أقرب الناس إلينا وأكثرهم شفقة ورحمة بنا:

ومن العداوة ما ينالك نفعه

ومن الصداقة ما يضر ويؤلم!

..‏ وإذا كانت جروح الجسد قد تبرأ في وقت قصير،‏ فإن جراح الروح بطيئة البرء والشفاء‏,‏ فخص والدك بدعائك واصبر على ما أصابك حتى تداوي الأيام جراحك..‏ وتذيب المرارة التي خلفتها الذكريات لك وراحة القلب تتبع راحة الضمير، فاحسب أن والدك قد ناله من تأنيب الضمير وسياط الذكريات ما يكفي.. وفقك الله وسددك .

شعاع:

يسخر من الجروح كل من لا يعرف الألم

 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد