Wednesday  13/04/2011/2011 Issue 14076

الاربعاء 09 جمادى الأول 1432  العدد  14076

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

فجر الجمعة 8-4-2001

الكيد لبعد المنال بطول الأمل

إن لم يكن لي أن اكون حاضرة في أي من ميادين التحرير وساحات التغير فإنه بحسب تقديري لايليق بتواريخ تمردي العذري وبأشواقي المعتقة الطاعنة في عمر العشق الوطني

أن أغيب عن سموات الشعر أو على الأقل ألا أحضر في مجال التحليل السياسي والاجتماعي لهذه الشلالات البشرية المنطلقة في الوطن العربي بروح فروسية خلف راية الحرية. غير أن «بُعد المنال» لاينازله إلا ماهو أطول من عمر الإنسان وليس ذلك «لعمري» إلا الأمل.

* * *

الاستشفاء بمحو الحبر

بعد يوم طويل آخر لعبت فيه رحى الوجع بعظامي وسلسلة ظهري وحولت أطرافي إلى مايشبه تراب الرياض بما جعلني في ذروة عذابي أزهو بما في تكويني من زعفران الأرض التي لا هوى إلا هواها, كنت أتطلع إلى لحظة سلام واحدة أبحث فيها عن نفسي بين نثار المواد الأسيدية المستعرة في أعصابي من مشط قدمي إلى بصيلات حواجبي وشعر رأسي. ولكن مالم يكن في الحسبان أن أجد سلطان النوم يقف لي بالمرصاد يلوح بعصاه في وجهي, فهل يحق لي أن أغمض عيوني فيما الشعب الليبي يستميت بين مخالب الجوارح الخارجية وبين حراب الطاغية في أن يضيف صفحة جديدة إلى سفر الحرية العربية التي رمى شراراتها الأولى البوعزيزي في عروش الخراب؟. من يستطيع أن يستسلم لملمس الوسادة وإن هدمه السهاد بينما دوار اللؤلؤة تخلط به أوراق حسابات أقدار منطقة الخليج, وميدان التحرير حامل بأجنة التوقعات فيما يرتفع ضغطنا وينخفض تارة حسب درجة توتر وانفراج أحلام الشعب اليمني في ساحة التغيير, وأخرى حسب مقياس ريختر للكارثة الإنسانية والنووية في اليابان وكان هذا العام «عام فوران التنور» على عدد من الجبهات لوجستيا وسياسيا.

«لا نامت أعين الجبناء» صهلت جملة خالد بن الوليد في دمي على أبواب درعا بأصوات أبطالها بعد أربعين عام والشعب السوري مثلما في «ضيعة تشرين» للشاعر محمد الماغوط ليس في نور ليصحو وليس من متسع لأكثر من واحد لينام. وسط هذا الزحام الذي لايرحم العزل إلا من علب الأدوية لم يكن لي إلا أن استحي من قرائي وعشاق مفاتيحي ومني لو أني سمحت لنفسي بعد ذلك العناء المضني الذي اضطرني للانسحاب عدة أسابيع أن أخلد للنوم. لم يتطلب الأمر إلا أن أتخذ قرارا صغيرا شجاعا بأن أقاوم رشاوي النعاس بين جلسات العلاج فأكف عن التثاؤب وأشق عصا الطاعة على الميتة الصغرى التي تلوح أمامي أو ربما في مخيلتي ليس إلا, لأعود إلى الاستشفاء بالكتابة لمقاومة هذا الزائر الخبيث وإخراجه بإرادة الله إلى غير رجعة.

ابتهالاتي في سمهرير النهار وبياض الليل.

«لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ياحي ياقيوم برحمتك أستغيث، رب أن مسني الضر وأنت أرحم الراحمين»

اللهم إني أمتك ابنة عبدك وأمتك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو احتفظت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وذهاب حزني وجلاء همي وغمي».

اللهم إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي بل إنني معتزة بنعمة المرض.

حاولت بالاستعاذة بالله وأسمائه الحسنى وبالاستعانة بآيات من كتاب الله المحكم بصوت الشيخ أحمد العجمي الشجي أن أحرر روحي وجسدي من كل أسباب السبات ومن الآلام التي مابرحت تلوي حبال رقبتي وتشبك كل شريان من شرايني الدقيقة وأوردتي في أسلاك كهربائية عارية مباشرة.

* * *

الجمعة 18-3-2001م

منازلة الموت

لا أدري منذ أن نقلت لي د. « أليسون جونز» طبيبة الأنكولوجي بصوتها الودود وبشرتها المشربة بنقع الورد رسالتها اللدود المسقاة بمذاق الرصاص , كم ساعة مضت ولا كم كيلو قطعت وأنا أمشي وأمشي وأمشي لا أحس لذع البرد القارس الذي شقق وجهي ولا بلل المطر الذي أغرق معطفي ولا لفح رياح وداع الشتاء الجارحة التي كسرت شمسيتي, ولا البكاء المكتوم لتلك الفراشة التي أتعلق بعودها النحيل والوانها الطيفية الصاخبة ليكون لي دافعا حقيقيا لمنازلة الموت. ربما كنت سأمضي أجرجر حرير روحي على أشواك السائل الكاوي من «لندن كلنك» بشارع «هارلي ستريت» غربا إلى مدخل بيتي بشارع «جرين كروفت جاردن» شمال غرب, «لايرد رأسي» إلا حريملا وملهم والطائف ومكة المكرمة والمدينة المنورة وجازان والجوف والهفوف وجدة والقطيف «مسقط القلب « بتعبير الشاعر اللبناني زاهي وهبة و»مربط أفراس ولهي» و»مهوى إلهامي» بتعبيري.

يتخبطني مس الدواء أو سموم العلاج الكيمياوي فلا أجد اسما في اللغة الفتاكة لكل التجارب القاسية التي خضتها أو العذابات التي مر بها جسدي عبر أي مرحلة من مراحل حياتي الحافلة بالتحديات المبرحة حسب كل مرحلة, ما يعبر عن شراسة الساعات الطوووويلة البطيئة التي قضيتها على كرسي جلسة الاستشفاء مقيدة بقضبان من صلب وحديد , تحك جمجمتي طاقية من مسحوق الزجاج لجليد يفور بمعدل خمسة درجات تحت الصفر. فما ينفثه ذلك الأنبوب الأفعوي من زعاف كحلي مخضر في فوهة الجرح حالة لاتشبه العنف الجسدي للكي ولا تمزق الأحشاء عند المخاض ولا عسر الإنسلاخ الذي يمر به الأطفال للتحول من فراشات ونحول وأزهار إلى مواطنين صالحين في الأوطان المطبقة . إنها حالة جافة جارفة متعجرفة من السقام اللئيم قد لايقاربها إلا ضرب الأعناق باللؤم الكلام أو بطعنة غدر.

هل كانت هنا أو كنت هناك

هل أقول «كأني لم أكن» مثلما قالت بتفجع الشاعرة السورية سهام الشعشاع وهي عبثا تحصي خسارات العمر التي لا ندركها إلا في الوقت الضائع حين نبلغ تلك الحافات الحادة من لحظات الزوال في التحول من حال إلى حال لما خلناه خالدا أو أهدل كما قال الشاعر أحمد شوقي في نجوى التناص بين حالة التحدي الشخصي التي أمر بها وحالة التحدي التحولي التي تمر بها بلاد العرب أوطاني, فاقول «بي مثل مابك ياجارة الوادي.. إذ محوت كل لبانة من خاطري ونسيت كل وجع وتشاكي» أو أرسل قبلة في الهواء بماقاله المتنبي إذا كانت النفوس عظاما تعبت في حملها الأجسام.

هذه هي اللحظة التاريخية الشامخة الجامحة من لحظات مشتهى الحرية التي كتبت لها قصائدي ومقالاتي وأبحاثي وهدرت في هواها حبري وأشعلت لها أصابعي العشرة وعشتها في مخيلتي عشرات المرات منذ كنت في الرابعة عشر, هذه هي اللحظة التي شغلت لها شالاتها بإبرة الصبر والحبر وجمعت لها ماءها من مطر الصحراء وطل الخزامى والعرفج قطرة قطرة ووقفت بانتظار هلة موكبها عبر الجاهات الأربع على قدمين حافيتين ألا من ألف وميم ولام لأكثر من 25 عاما. لذا فالمفروض أن أكون هناك أراقب ما يجري في الساحات والميادين والفلوات لا محتبسة قيد السرير قاب قارتين من مشتهى الحرية وهي أدنى لي من حبل الوريد.

* * *

إلى الابنة لبنى عصام الخميس

لكم شاركت جوارحي فجيعة قلبك الصغير غير أني أسأل الله أن يستضيف الوالد العزيز بواسع رحمته, وأن يجعل قلمك شعلة لا تنطفئ بعده.

 

ويكليكس شخصي 4 ..كمين اللا مكان
د.فوزية عبدالله أبو خالد

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة