Monday  25/04/2011/2011 Issue 14088

الأثنين 21 جمادى الأول 1432  العدد  14088

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

وجهات نظر

      

تشتمل سمة التغيير كل ما هو موجود في هذا الكون وعلى مسرح الحياة فلا يبقى شيء على حاله - تغير دائم ومستمر من حسن إلى سيء، من جميل إلى قبيح ومن غني إلى فقير وبالعكس وهكذا...

وفي هذا المجال دعنا نتحدث عن الإنسان ذلك الكائن المكون من لحم ودم، من عقل وقلب وعاطفة وحواس خمس ونفس أمارة بالسوء وطباع متغايرة وإرادة تتراوح في التوجه بين الخير والشر وأهواء ورغبات وغرائز وأهم هذه المكونات هي «الأنا» التي لا تترك مجالاً للإنسان كي يتصرف بحكمة اللهم إلا من كان لديه إرادة قوية تتحكم بكل تصرفاته وعقل حكيم يتخذ القرار المناسب، علماً أن جميع المكونات المذكورة أعلاه تؤثر وتتأثر في بعضها البعض فينجم عن ذلك سلوك قد نعتبره مهذباً أو غير مهذب نتيجة لتكوين ما يمكن أن نسميه حباً أو كرهاً تجاه الآخرين، ولا بد في هذه الحالة أن يتدخل العقل ليعقل تلك الأنانية حتى تستقيم الأمور مع ذلك الإنسان وإلا أوصلته إلى جهنم.

الإنسان في حياته مثله مثل الغابة التي ترى مشاهد مختلفة ووقائع متعددة تحدث فيها، فهي تحتوي أشجاراً يستظل بها الناس، منهم من يجلس لقضاء يوم جميل وليلة سمر، يسعدون في ساعاتهم في ذلك الجو اللطيف ومنهم من يكونون جنوداً مثلاً يتصارعون وينهون حياة بعضهم البعض، وهكذا تشهد تلك الغابة الخير والشر في ربوعها ويأتي وقت آخر فتشهد صوراً أخرى يمر عليها فصل صيف وخريف وشتاء وربيع.. وهي بذلك تشبه الإنسان الذي يعيش حياته بين مد وجزر وفقر وغنى وسعادة وشقاء وفتوة وشيخوخة وصحة ومرض وخلال ذلك لا نراه مستقراً على وضع واحد سواء كان حباً للآخرين أو كراهية لهم، تارة يرضى على نفسه وتارة أخرى يندب حظه وذلك لأن مكوناته تعمل عملها القوي في التأثير عليه سلباً أو إيجاباً وليس في ذلك غرابة فالإنسان مفطور على التغير ويكفي أن نذكر قول الله تعالى في كتابه العزيز {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}.

يخضع الإنسان لحالات خاصة من المزاج ويتخذ خلالها قرارات تحرمه من صنع الخير ويأتي شخص آخر ويطرح عليه فكرة ما فيتقبلها ويغير تلك القرارات. وفي هذا المجال رُوي أن شحاذاً وقف أمام باب بيت فيه إخوان وطلب صدقة فقال له الأخ الأكبر إرجع إليّ غداً فسمع الأخ الأصغر ذلك فحمل طبلاً وخرج يركض في الشارع وبدأ يضرب على الطبل ويقول أخي قد أوقف الزمن.. قد أوقف أخي الزمن.. ركض إليه الأخ الأكبر وسأله ماذا تفعل؟ فقال له: أريد أن أخبر الناس أنك أوقفت الزمن، فقال له: كيف هذا؟ قال الأخ الأصغر: لقد أخبرت الشحاذ أن يأتي إليك في الغد.. هل أنت متأكد أنك ستبقى حياً حتى الغد؟ وهل تضمن أن يبقى الشحاذ حياً حتى الغد؟ وهل تضمن أن يبقى الشحاذ شحاذاً وتبقى أنت قادرا على إعطاء الصدقة؟ فقال الأخ الأكبر لأخيه الأصغر: صدقت يا أخي وإني مخطئ.. وبدأ يركض خلف الشحاذ حتى وصل إليه وأعطاه نصيبه، هكذا نرى أن هذا الرجل قد تغير من محجم على إعطاء الصدقة إلى رجل باذل لها خلال بضعة دقائق وما ينطبق على هذا الإنسان ينطبق على الناس جميعاً.. جميعنا نتغير دون استثناء.

وإذا قلنا إن الإنسان يتغير فإن ذلك أمر بديهي لا يتناقض مع طبيعة الإنسان، حيث نجد أن سلوكه يتغير بناء على حالة المزاج التي يعيشها، فالخوف مثلاً قد يجعل من الإنسان الجبان إنساناً في غاية الشجاعة في بعض الأحيان وإذا أخذنا وجهاً آخر من طبيعة الإنسان كالطمع نجد أن ذلك الإنسان يتجاوز كل ما هو مألوف ومقبول في المجتمع، ولكي يحقق أطماعه يغير وجهه أكثر من مرة ويتنقل بين الأسود والأبيض فيترك الفكرة الحسنة ويأخذ السيئة وهكذا فهو لا يستقر على قرار.. المهم عنده أن يحقق أطماعه وأخلاقه اللامشروعة وغير الأخلاقية.

ومن الأمور التي تلعب دوراً هاماً في حياة الإنسان مسألة حبه لشخص ما أو كرهه له وتغيير موقفه ممن كان يحبه أو يكرهه فيستبدل الحب بالكره والعكس بالعكس ويعتمد ذلك على الشعور الذي يشعر به تجاه الآخر وهناك الكثير من الحالات التي نشاهد فيها أشخاصاً متحابين كانوا في الماضي من ألد الأعداء يكرهون بعضهم كرهاً لا حدود له لدرجة أنهم كانوا لا يتقبلون سماع أسمائهم وبعد ذلك ينقلبون على ذلك الكره ويرددون أسماء بعضهم وكأنها لازمة لحياتهم وإذا سألنا عن الأسباب نقول إن المعطيات التي تتعلق بأولئك الأشخاص والتي كانت سبباً في الكراهية قد تغيرت لأن أصحابها قد تغيروا وبالتالي قد تغيرت المعطيات وبتغير تلك المعطيات حل الحب محل الكراهية والعكس صحيح في حالة الحب الذي يتغير إلى كراهية وما ذلك إلا لأن المعطيات التي بني عليها الحب قد تغيرت وحل محلها معطيات تدعو للكراهية، وهذا أمر طبيعي طالما أن الإنسان لديه الاستعداد الكامل لتبديل سلوكه.

ومن العوامل التي تؤثر على الإنسان فتجعله يتغير، هناك عامل البيئة وقد بات من المؤكد تربوياً وعلمياً أن البيئة تلعب دوراً فاعلاً وحيوياً في تغيير الإنسان وكلنا يعلم قصة الشاعر الذي كان يعيش في الصحراء وأراد أن يمدح كبير القوم فقال له:

أنت كالكلب في الود وكالتيس في قراع الخطوب

وغضب بعض الحاشية وأرادوا معاقبته فقال لهم أحد الحضور: تمهلوا إن هذا ما يراه ويعرفه وهذه هي بيئته.. دعنا ننقله إلى بيئة جميلة ونسمع منه بعدئذ.

أخذوه إلى بغداد وبعد فترة رجع ليمدح كبير القوم فاستهل قصيدته بقوله:

عيون المها بين الرصافة والجسر

جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

إضافة إلى ما سبق فإن للصحبة بالغ الأثر في الإنسان.

كم من إنسان نشأ في بيئة صالحة وبيت كريم خرج من بيته نقياً مهذباً متمسكاً بعاداته وتقاليده، ولسوء حظه التف حوله من هم ليسوا أهلاً لرفقته والتعامل معه فتحول إلى شخص يمارس أعمالاً غير محمودة وأصبح بعيداً عن من أحبه واحترمه.

ولكن ذلك لا يدوم وبأمر الله يبتعد عن الصحبة والبيئة ويلتحق بصحبة خيرة وبالتدريج يعود إلى سابق عهده وبغير سلوكه فيتغير من إنسان يؤذي نفسه ومجتمعه إلى إنسان صالح ينفع نفسه ويسعى بالخير للآخرين. ورغم أن الإنسان يخشى التغيير إلا أن رغباته المتعددة واللامنتهية تدفعه دائماً للعيش وسط صيرورة التغيير، فلا يكاد ينتهي من تحقيق رغبة من رغباته حتى يتبنى رغبة جديدة فيغير نمط حياته وأولوياته سعياً لتحقيق تلك الرغبة الجديدة فيركض دون توقف وراء أحلامه التي تكون بعض الأحيان معقولة وواقعية وفي أحيان كثيرة مجرد أحلام يقظة.

 

تغيُّر الإنسان
مي عبدالعزيز السديري

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفجوال الجزيرةالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة