Saturday  30/04/2011/2011 Issue 14093

السبت 26 جمادى الأول 1432  العدد  14093

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

استعادت الصفوية حضورها التاريخي في المشهد الإسلامي العام مع قيام الثورة الإيرانية (الخمينية) عام 1979م بعد سقوط نظام رضا بهلوي العلماني، فأصبحت من جديد رأس حربة المشروع الإيراني ذي النزعة الفارسية في المنطقة العربية، وذلك عقب انكفائها داخل حدودها الإيرانية قرابة أربعة

قرون متتالية بعد هزيمة الصفويين أمام العثمانيين في المعركة التاريخية (جالديران) عام 1514م، التي سحق فيها جيش سليم الأول العثماني جيش إسماعيل الصفوي، فتم تحجيم الصفوية وحماية البلاد العربية من مدّها. غير أن هذه الاستعادة الجديدة للصفوية جاءت بطريقة مغايرة تتسم بالضبابية، كما تعكس دهاء الفرس وطول نفسهم السياسي في خططهم الاستراتيجية، كونها جمعت بين أمرين يبدوان متناقضين باعتبار أحدهما مرجعية الثورة خلاف الآخر، ولكنهما متجانسان في الواقع، من خلال استغلال البعد المذهبي كرابط بينهما في مجمل السياسة الإيرانية، والأمران هما: (الهوية الدينية والنزعة القومية) للجمهورية الخمينية، وهمزة الصلة بينهما هو (المذهب الشيعي) وفق الرؤية الصفوية المتباينة عن التشيع العربي.

وكي نفهم هذه التركيبة الغريبة (الهوية الإسلامية والقومية الفارسية والمذهبية الشيعية)، التي تشكل مثلث المشروع الإيراني الفارسي المعاصر، لابد من تلمس جذور الصفوية في أعماق التاريخ الإيراني، فمن خلالها يمكن معرفة حقيقة التوجهات الإيرانية وسياساتها التوسعية في منطقتنا، وسعيها الحثيث إلى السيطرة على الأنظمة العربية وصولاً إلى قيادة العالم الإسلامي.

تلك الجذور تبدو عن طريق معرفة الجانب الديني للصفوية من جهة، ومن جهةٍ أخرى تحديد البعد السياسي لها في إطار نشأتها وأبرز مراحل تاريخها، خاصةً عهد إسماعيل الصفوي أبرز الحكام الصفويين المتعصبين.

ينتمي الصفويون إلى جدهم (صفي الدين الأردبيلي) من أردبيل في أذربيجان، لذا يرجع أصله إلى الترك الآذريين وإليه تُنسب الصفوية وتُعرف، وصفي الدين عاش في القرن السابع الهجري، وهو أحد شيوخ الصوفية، وكان سنياً على المذهب الشافعي، وعضواً في المجلس السني الشيعي المشترك، الذي أسسه السلطان (خدا بندة التركماني) حاكم فارس (إيران وأذربيجان) آنذاك.

وقد تشيع صفي الدين، فجمع بين عقائد الصوفية والشيعة الإمامية، ثم استطاع أن يجمع الأتباع والأنصار في بلاد فارس لنشر المذهب الشيعي فتشكلت طائفة الصفوية من تلك العقائد المختلطة، ومنه انتقلت زعامتها إلى أبنائه وأحفاده، فكان إبراهيم، ثم خلفه جُنيد الذي تحولت الصفوية في عهده من طائفة دينية إلى حركة دينية ذات أطماع سياسية، ثم جاء بعده حيدر حتى وصلت الزعامة إلى إسماعيل الصفوي الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لدولة الصفويين وواضع بذور مشروعها الفارسي.

خلال هذه الفترة كانت أسرة (آق قويو نلو) الحاكمة لبلاد فارس تعيش صراعات داخلية، استغلها الصفويون بالسيطرة على بعض المناطق الإيرانية وحكمها، ثم خاضوا معارك فاصلة ضد ولاة هذه الأسرة في المناطق الإيرانية الأخرى، حتى نجحوا في الاستيلاء على السلطة بدخولهم مدينة تبريز، فأعلنوها عاصمةً لدولتهم الوليدة، كما أعلنوا إسماعيل الصفوي ملكاً لإيران، وتلقيبه بأبي المظفر شاه إسماعيل الهادي الوالي.

وإسماعيل بن حيدر بن جنيد بن إبراهيم بن صفي الدين الأردبيلي (الأذربيجاني) هو مؤسس الدولة الصفوية الشيعية، التي قامت في إيران وبعض مناطق العراق خلال القرن السادس عشر الميلادي، ولد عام 892 هجرية (1487م)، من أب أذربيجاني وأم أرمينية، وقد كان إسماعيل يتمتع بمواصفات رئيس الدولة القوي.

بعد أن نجح إسماعيل الصفوي في توطيد أركان دولته بدأ مخططه الرهيب القاضي بتشييع إيران وتبديل مذهبها السني إلى المذهب الشيعي (الصفوي)، فقد كانت إيران سنية ما عدا مناطق محددة هي (قم، آوه، كاشان، الري)، فبدأ بعاصمة ملكه (تبريز) السنية، ففي يوم جمعة من عام 908 هجرية (1501م)، توجه إسماعيل الصفوي إلى الجامع، ونشر جنوده القزلباش (أصحاب الرؤوس الحمراء من التركمان) بين المصلين، ثم اعتلى المنبر وجرّد سيفه وأشار إلى أحد علماء الشيعة ليلقي الخطبة كإعلان بتشيع الدولة، ثم قام جنوده بطلب إعلان البراءة من الخلفاء الراشدين الثلاثة والموالاة لعلي بن أبي طالب من المصلين السنة، ومن امتنع يقطع رأسه في الحال.تزامن ذلك مع استقطاب علماء شيعة بأعداد كبيرة من جبل عامل في لبنان لنشر المذهب الشيعي، كما لجأ إسماعيل الصفوي خلال تاريخه الدموي لطريقة خبيثة تمكنه من تشييع المسلمين السنة، وذلك بقتل علمائهم ومشايخهم حتى يسود الجهل الديني بينهم ويسهل تشييعهم، ومن لا يتشيع يقتل في ساعته، كما كان من سيرته الشيطانية أنه يطلب من العلماء السنة المعتبرين سب الخلفاء الراشدين ولعنهم.

بل لم يكتف إسماعيل الصفوي بذلك إنما أمعن القتل في أهل السنة الذين يشكلون السواد الأعظم من إيران، فارتكب الجرائم والمجازر المروعة في أغلب المدن الإيرانية بدايةً من مدينة (تبريز) عام 908 هجرية، كما غزا العراق ودخل بغداد وارتكب فيها مذبحة مروعة عام 913 هجرية (1507م) تذكر بغزو المغول، فذبح العلماء والمشايخ السنة، كما نبش قبر الإمام أبي حنيفة وأباح العبث في مقامه، لدرجة أنه وضع مجموعة من الحمير لنقل كل متطرف يريد أن يتبول في قبر الإمام، بل وصل الحال في أهل السنة في بغداد أن رأف بهم شيعة العراق العرب الذين أخفوهم في بيوتهم عن عيون الجنود الصفوييين، كل ذلك كان سبباً في وقوع الحرب بين الصفويين والعثمانيين، خاصةً بعد تراسل إسماعيل الصفوي القوية والبابا وزعماء بعض الدول الأوروبية كالبرتغال وأسبانيا واليونان، حيث دعاهم إلى الإطباق على الدولة العثمانية وتقسيمها، حتى أنه قام بتسهيل مرورهم وتنفيذ أعمالهم في المنطقة الإسلامية، وهذا لا يستغرب فوالدته أرمينية، وجدته لأمه من نصارى اليونان تدعى كاترينا.

هذه هي جذور الصفوية التي تشكل اليوم رأس حربة المشروع الإيراني الفارسي في منطقة الخليج والوطن العربي ككل، فالتشيع الصفوي يختلف في توجهاته عن التشيع العربي، سواءً على مستوى المرجعية أو العقائد بدلالة مواقف شخصيات شيعية عربية حرة ترفض الصفويين وعقائدهم كالعلامة الراحل حسين فضل الله، والسيد علي الأمين في لبنان، والمفكر الإيراني أحمد الكاتب، والشاعر العراقي عباس الجنابي وغيرهم، بل إن ما يفعله الإيرانيون اليوم يماثل ما فعله الصفويون بالأمس، ما يشير إلى أنهم امتداد لهم، فأهل السنة في إيران يواجهون أوضاعاً سيئة منذ قيام الثورة الخمينية بسجل حافل بالإعدامات والاعتقالات، خصوصاً أحواز عربستان.

كما أن ملالي إيران تحالفوا مع أميركا في العراق حتى انتشرت فرق الموت الإيرانية التي تقتل على الهوية، ما يعيد إلى الأذهان الحلف الصفوي البرتغالي ومراسلاتهم للبابا لمحاصرة الدولة العثمانية، وهو ما تم مع الأميركيين ضد العراق كإحدى الدول العربية الكبرى.

أن التشيع الصفوي الذي ُيخفي نزعته الفارسية هو الذي دفع الشيخ يوسف القرضاوي إلى وقف مسألة التقارب المذهبي مع الإيرانيين بسبب تدخلاتهم في البلدان السنية وبالذات مصر، معتبراً ما حدث في البحرين فتنة طائفية ورائها إيران.

في ذات السياق قام الدكتور محمد عمارة قبل أشهر بإحراج قناة (العالم) الإيرانية عندما عرض محتويات لبعض الكتب ذات النفس الشيعي الصفوي ضد عقائد السنة، وسأل عن كيفية التقارب مع أهل السنة بكتب لازالت تطبع في طهران.

وهذا يعكس الخبث الصفوي الذي يستغل التقارب السني الشيعي ليتغلغل في المنطقة العربية بدلالة ما جرى في البحرين على مستوى المعارضة بتخابر بعض رموزها مع الإيرانيين، وكذلك في الكويت على مستوى خلية التجسس الإيرانية وقنوات الإعلام الطائفي المدعومة بالأموال الصفوية.

فضلاً عن حزب الله الحليف الاستراتيجي في لبنان، وسوريا التي تتأرجح بين محيطها العربي وحليفها الصفوي في ظل أوضاع تتجه نحو الانفجار على طريقة الثورات العربية الجديدة.

لأجل كل ذلك فإن الشيعة العرب مطالبون بأن يكونوا على وعي بالمخطط الصفوي، كما على أهل السنة أن يفوتوا الفرصة على الإيراننين باستغلال الشيعة العرب لصالحهم.

(*) المشرف على كرسي صحيفة الجزيرة للصحافة الدولية - أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

kanaan999@hotmail.com

 

جذور المشروع الإيراني (الصفوي)
محمد بن عيسى الكنعان

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة