Thursday  14/07/2011/2011 Issue 14168

الخميس 13 شعبان 1432  العدد  14168

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

وجهات نظر

      

تتميز الدول المتقدمة بأنها تخطط لمستقبلها وتعد العدة له؛ وذلك من خلال إجراء الدراسات الاستشرافية التي يقومون بها في كل مجال، ويتأهبون لمستقبلهم بما يحمل من إيجابيات أو سلبيات، وهذا ما ميزهم وجعلهم من دول العالم الأول.

والاستشراف المستقبلي يقوم في الأساس على الاستفادة من الماضي والحاضر لصياغة المستقبل واستشرافه والتخطيط له، وهو الذي يجسد أهم مقومات نجاح الدول في رسم سياسات التنمية والتطور في كل المجالات.

هذا التخطيط يجعل تلك الدول تسير ضمن أُطر مرسومة لها مسبقاً، وضمن رؤية وأهداف تحددها لهم تلك الدراسات المستقبلية تحت إشراف من قاموا بتلك الدراسات وتابعوا نتائجها.

ومن المتعارف عليه دائماً أن الدراسات المستقبلية تستهدف تحليل التطورات المتوقعة وتقويمها؛ وذلك بطريقة عقلانية وموضوعية تجعل صاحب القرار سواء في السلطة العليا أو على مستوى الجهات الحكومية والخاصة يتخذ قرارات متوازنة في سبيل تذليل تلك التحديات إن وجدت، ويصبح العملُ وفق خطط مرسومة ومدروسة بعيداً عن التجاوزات والمجازفات والوقوع في المنزلقات التي قد تعترض سبيلهم مستقبلاً؛ وذلك في جميع المجالات السياسية، والتعليمية والاقتصادية، والرياضية.

ومن منظور آخر فإن الدراسات الاستراتيجية تحتاج دائماً إلى رؤية واستشراف متمعن؛ مما يجعلها أكثر نجاحاً وتفاعلاً في تنفيذ توصياتها على أرض الواقع.

ونحن وللأسف أغلب دراساتنا تدور حول واقعنا الحالي والبحث عن الحلول المؤقتة - إعطاء المسكنات - التي تعالج ذلك الواقع من خلال معالجة المشكلات التي يعاني منها المجتمع، مثل: مشكلة البطالة والمخدرات، وقضايا الشباب ومشكلاته، والفقر وأسبابه، والطلاق والعنوسة وغيرها من المشكلات ، وهذا يُعد قصوراً كبيراً من وجهة نظر شخصية؛ لأن البحث في الواقع الحالي سهل جداً من خلال تشخيص المشكلة، ووضع الأهداف، وتصميم الاستبانات وتوزيعها على شرائح معينة من المجتمع، ومن ثَمَّ جمعها وتحليلها وإعلان نتائج الدراسة وتنفيذها إن أمكن ذلك.

لكن أين مراكز البحوث والدراسات المتخصصة في المملكة؟ خصوصاً المراكز الموجودة في جامعاتنا الموقرة عن تنفيذ دراسات استشرافية عن تلك الموضوعات، وتقديم مقترحات وحلول مناسبة لتفادي تفاقم المشكلات الموجودة أعني بدلاً من إعطاء المسكنات التي تسكن الألم فترة مؤقتة يجب أن نبحث عن الدواء الناجع الذي يعالج المشكلة ويوُجد لها الحلول ليس الآنية فحسب بل المستقبلية، كذلك لماذا لا تدعم جامعاتنا مثل هذه الدراسات؟ بحيث يكون هناك اجتماعات تنسيقية بين مديري مراكز البحوث والدراسات في تلك الجامعات لمناقشة إمكانية تحديد العديد من الموضوعات المهمة سواء كانت اجتماعية أو تربوية أو سياسية أو اقتصادية.. الخ التي تهم الوطن والمواطن، ومن ثَمَّ تقوم كل جامعة بعمل دراسات استشرافية تعدها هي وتنفذها حسب تخصص كل جامعة وقدرتها على تنفيذ مثل تلك الدراسات، بحيث نستفيد من ذلك أموراً عدة، مثل: عدم تكرار موضوعات الدراسات الاستشرافية التي ستقوم بها تلك المراكز في الجامعات السعودية، وكذلك المهنية العالية في تنفيذ مثل تلك الدراسات بسبب التخصص والتميز في الموضوعات نفسها،إضافة إلى تنوع نتائج تلك الدراسات ستكون مفيدة للجميع.

ومما يؤسف له أيضاً أنه لدينا دراسات استطلاعية نفذتها مراكز دراسات كبيرة، وكلفت تلك الدراسات مبالغ كبيرة جداً، وبعد الانتهاء من إعدادها وإرسالها إلى الجهة المختصة للاستفادة منها وتنفيذ نتائجها، تجد أن تلك الدراسات ظلت حبيسة الإدراج؛ بحيث لا يتم تنفيذ نتائجها بالشكل المأمول؛ لأننا مجتمع لم نتعود على ثقافة تقبل الخطأ والقصور أمام الرأي العام، فمعظم الدراسات التي تُنفذ تحمل نتائج سلبية أو إيجابية، فيجد بعض المسؤولين أن النتائج السلبية التي أظهرتها الدراسة تشكل انتقاصاً له في تأديته لعمله، وعدم نجاحه في مهمته؛ وهذا مما يجعله يوجه إلى حفظ تلك الدراسة، وعدم نشر نتائجها أمام الملا، وهذا يُعد من الأسباب الرئيسة التي تجعل تنفيذ نتائج أغلب الدراسات أمراً صعباً. كما أنه من الملاحظ غياب التخطيط الاستراتيجي لدى بعض الجهات الحكومية أو الخاصة؛ حيث أصبح التخطيط بناء على رأي المسؤول ونظرته المتواضعة لسنوات قليلة قادمة فقط «أي فترة وجوده في العمل»، وحين يتبوأ مسؤول آخر منصباً قيادياً جديداً يحاول أن يزيل كل ما عمله من سبقه، أي: إعادة الهيكلة والبناء من جديد دون الالتفات إلى جهود من سبقه، بل يقوم بنسف كل ما تم عمله من قبل بحجة أن هذا من التطوير والتجديد؛ مما يعود سلباً على العمل ومستقبله نتيجة التخبط في الآراء من بعض المسؤولين وقصر نظرهم، ولكن لو كان هناك دراسات استشرافية لكل جهة لما استطاع أحد أن يغير السياسات المرسومة والمعلنة أمام الجميع لتلك الجهات.

وفي الختام نأمل أن نرى مراكز للدراسات الاستراتيجية على مستوى عالٍ تخدم الوطن في الدراسات والبحوث، خصوصاً الاستشرافية منها؛ لأن ذلك سوف يفيدنا في تجنب الوقوع في الأزمات المتوقع حدوثها مستقبلاً سواء كانت تلك الأزمات سياسية، أو اقتصادية أو اجتماعية، حتى نتمكن من تحقيق طموحاتنا، ونجعلها واقعاً ملموساً، وسلوكاً مشاهداً، وبهذا نتقدم خطوة نحو الأمام في سلم التقدم والتطور الذي يشهده العالم بدلاً من أن نظل مغمضي العينين نعيش في عالم الأحلام.

 

استشراف المستقبل بين الواقع والحلم
محمد عبدالله الشويعر

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة