Thursday  08/09/2011/2011 Issue 14224

الخميس 10 شوال 1432  العدد  14224

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

أظهرت دراسة أميركية جديدة أن ازدياد الثقة بالجيران مرتبط بصحة نفسية وجسدية أفضل. وذكر موقع «ساينس ديلي» الأميركي أن الباحثين بجامعة «ميسوري» وجدوا من خلال مراجعتهم لاستطلاع أجري في لوس أنجلوس عام 2001م، أن الأشخاص الذين اعتبروا «جيرانهم جديرين بالثقة» كانت صحتهم أفضل، فيما تبيّن أن أصحاب الدخل المرتفع كانوا أقل ثقة بجيرانهم.

وقالت الباحثة المسئولة عن الدراسة الين بجورنستورن: « فوجئت بشأن هذا الارتباط.. وإن كان الأثرياء أقل ثقة بجيرانهم الأفقر، فقد يكون من المفيد التغلب على بعض قلة الثقة التي تؤدي إلى صحة سيئة». وأشارت إلى أن الأماكن العامة المشتركة مثل الحدائق والأرصفة المخصصة للمشي يمكن أن تعزز التواصل بين الجانبين وتساعد بإغلاق الهوة الموجودة بالنسبة للثقة بين الجيران ما قد يساهم بتحسين الصحة والرفاه.. وذكرت أن الشعور بالدونية الاقتصادية تجاه شخص آخر يؤدي إلى الإجهاد والشعور بالخجل وعدم الثقة والعداء ما سيكون له آثاره السلبية على الصحة.

هذا ما نشرته «الرياض» في صفحتها الأخيرة يوم السبت الماضي 5 شوال 1432هـ، وأنا شخصياً لم يكن يخطر على بالي اهتمام الغرب الأمريكي بالجار واحتفائه به إلى هذه الدرجة، إذ إن معرفتنا بهم أنهم يميلون للذاتية ويعزفون عن الاهتمام بالغير فالكل مشغول بنفسه حتى أننا حين نعيب واقع المدينة العربية المعاصرة ونشخص حالتها نقول عنها إن أهلها تأثروا بالمدنية الغربية التي طبعة أخلاقياتهم بالميل الشديد للفردية، وبسب هذا النهج الحياتي المتكئ على الفلسفة الرأسمالية المعروفة غابت كثير من المفاهيم المجتمعية الرائعة وعلى رأسها مفهوم الجيرة الذي هو في الأساس ركيزة مهمة في نسيج المجتمع الإسلامي ولبنة هامة في البناء القبلي الجاهلي.. ولعل القارئ الكريم يلحظ بقراءته التفكيكية لهذا النص ما يلي:

- اهتمام الباحثين الأكاديميين في الجامعات ومراكز الدراسات والمواقع الرسمية والجماهيرية الغربية بمثل هذه الدراسات التي ربما لا تلقى نفس الاهتمام في عالمنا العربي بل إننا ربما نظرنا إلى طرق مثل هذه المواضيع أنه من علامات التخلف العلمي وعنوان من عناوين الإفلاس الفكري وللأسف الشديد.

- أن الأحياء الأمريكية تجمع بين الفقراء والأغنياء الذين لا يشعرون بالثقة بهؤلاء الجيران ذوي الدخول المحدودة بسبب التفاوت في الاقتصادي، وطبعاً منشأ هذا السلوك إيمانهم الداخلي بالحسد الذي يسري في أجساد ونفوس هذه الفئة، والإسلام يعترف بهذا الشعور والحل الذي فرضه وأوجبه على الأغنياء هو إعطاء الفقراء جزء من مالهم الذي كسبوه بعرق جبينهم تطيباً لخواطرهم وتنمية لأموالهم وتطهيراً لها وهذا من أقوى الوسائل وأنجع الأساليب لكسر ما في النفوس من ضغائن وجمع القلوب خاصة بين أهل الحي الواحد وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).

- أظهرت الدراسة أن كثرة اللقاء بين الطبقتين في الشوارع والحدائق وعند ممارسة رياضة المشي يساعد كل ذلك في ردم الهوة بين الجيران ومن ثم تطمئن النفوس وتصح الأبدان، ولو تأمل القارئ الكريم في مظاهر التواصل بين الجيران في شرعنا المطهر لوجد أن من بين أسباب فرض الصلاة في المساجد والأمر بعماراتها داخل الأحياء التقارب بين الجيران وسؤال بعضهم عن بعض ومعالجة أحوالهم بكل أخوية وبعيداً عن التفاضلية أو الإشعار بالدونية، إذ إن في قناعة الجميع أن الجار كالأخ أو هو أقرب.

عموماً تراثنا العربي فضلاً عن نصوصنا الشرعية سبقت في مجملها الدراسة التي أشرت إليها أعلاه، مثالاً على ذلك (كان أبو حازم رحمه الله، وهو من التابعين، ينعي على المسلمين في وقته ضياع حقوق الجار، حيث قال كما روى عنه مالك: كان أهل الجاهلية أحسن جواراً منكم، وإلا فبيننا وبينكم قول الشاعر:

ناري ونار الجـار واحـدة

وإليه قَبْلي تنـزل القـدر

ما ضرّ جار لي أني أجاوره

أن لا يكـون لبابه ستـر

أعمى إذا ما جارتي برزت

حتى يواري جارتي الخدر

وما أروع قول الشاعر:

يلومونني إن بعت بالرخص منزلي

ولم يعرفـوا جاراً هناك ينغّصُ

فقلت لهم كفوا المـلام فإنها

بجيرانهـا تغلو الديار وترخص

بصدق أشعر أننا بحاجة ماسة في هذا الوقت بالذات أكثر من غيره إلى إعادة قراءة تراثنا العربي والإسلامي من جديد ومن زاوية أخرى وبعين متفصحة صادقة وإلى لقاء والسلام.

 

الحبر الأخضر
«الثقة بالجار» في الثقافة الأمريكية
د.عثمان بن صالح العامر

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة