Tuesday  18/10/2011/2011 Issue 14264

الثلاثاء 20 ذو القعدة 1432  العدد  14264

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

لفهم أي تحرك أوحدث سياسي تجب إجالة النظر في أهدافه وتوقيته لا الحدث ذاته، فالمبررات التي قد تساق عادة لتبرير التحركات السياسية تكون في غالب الأحيان الستار الذي تختفي خلفه الأهداف الحقيقية الكامنة وراءه.

ومن هذا المنطلق علينا محاولة فهم الخطوة التي أقدمت عليها إسرائيل مؤخراً بإطلاق ما يزيد على ألف سجين فلسطيني مقابل جندي واحد وسط دعاية مكثفة من الجانبين.

ولا بد من فهم الدور الذي لعبته وتلعبه حماس في القضية الفلسطينية، وكذلك جدلية هذا الدور بالمواقف المتناقضة التي تتخذها إسرائيل منها.

فإسرائيل تحرك حماس وتتلاعب بها، من حيث تدري أولا تدري حماس ذاتها، مستغلة عواطف من يدعمونها لا عقولهم.

وظهرت حماس في عام 1987في أوج الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأسستها مجموعة من الإخوان المسلمين الفلسطينيين يمثلون مناطق مختلفة من الأراضي الفلسطينية.

ولم يكن ظهورها محض صدفة بل كان ضمن حسابات دقيقة لإسرائيل وداعميها في المنطقة.

فالتوجه العربي الإسلامي كان في أوجه آنذاك، وتزامن هذا التوجه مع انتقادات واسعة لمنظمة التحرير الفلسطيني لعدم تحولها إلى حركة إسلامية تتبنى الجهاد ضد إسرائيل أسوة بحركات الجهاد الأفغاني، والشيشاني، والبوسني.

فالبعض أعطى الأولوية لجهاد الاتحاد السوفيتي الملحد على جهاد الذميين اليهود، وبرر ذلك بعدم أسلمة هذا الصراع، حيث رفض القادة الفلسطينيون دخول قضيتهم متاهات الإيديولوجيات والصراعات الدينية. فكان لا بد من خلق كيان إسلامي للفلسطينيين من عناصر هذه التيارات المتأسلمة.

كان المعين الأول لحماس من حيث التسليح على الأقل هو إسرائيل، وهوأمر لم ينكره قادتها وتفاخروا به على أساس أنه يجسد مهاراتهم في الحصول على السلاح من جيش الاحتلال الفاسد المنحل.

وكانوا يقولون إن الجنود الإسرائيليين المرتزقة يبيعون السلاح مقابل المخدرات والمال وتشتريه منهم العناصر الاستخبارية الحماسية التي تتفوق عليهم.. غير أن حقيقة الأمر هي أن إسرائيل كانت تحسب كل قطعة سلاح تباع، أوتمرر لحماس.

وكان الهدف غير المعلن لإسرائيل يوضح مدي عمق فهم إسرائيل للعالم العربي والصراعات الإيديولوجية فيه، ومهارتها الإستراتيجية في استثمار هذه الصراعات لصالحها.

فإسرائيل كانت تعتقد أن التعامل مع قيادة برأسين يتناحران ويتناطحان خير من التعامل مع قيادة فلسطينية موحدة يلتف حولها الشعب الفلسطيني بأجمعه.

وكانت إسرائيل تدرك أيضاً أن داء العرب المزمن، والذي تسبب في تشتتهم وضعفهم طيلة هذه الأعوام هوانقسامهم بين معسكرين متعاديين أحدهما عربي قومي والآخر إسلامي أممي، وهي تعرف من واقع خبرة وتجربة أن هذا الانقسام الإيديولوجي هوسبب تأخر الأمة العربية وسبب تمزقها وعدم اتفاقها، فالمعايير القومية تنطبق بشكل أوبآخر على منظمة التحرير، والمعايير الإسلامية الأممية تنطبق على حماس وهوما يفسر ارتماءها في حضن إيران الصفوية والمعادية للعرب بشكل مباشر، وذلك عندما دعمت الأنظمة العربية منظمة التحرير في مسيرة السلام على حساب حماس المعارضة.

وبررت حماس ذلك مبررة بأنها تحصل على الدعم من أي جهة إسلامية تمده لها. فمساعدة حماس على الظهور كند مكافئ لمنظمة التحرير بقيادة فتح يرمي القضية الفلسطينية في عمق الانقسام العربي.

فحماس التي استمرت في نقدها لجميع تحركات السلطة الفلسطينية تقريباً لم تفصح يوما ما عن أهداف واقعية تسعى لتحقيقها واستمرت في ترديد المقولة الحالمة بتحرير كامل تراب أرض فلسطين، وهي مزايدة منافية للواقع الحقيقي، ولا يشاركها فيها إلا أحمد نجاد لأهداف إيديولوجية خاصة به لا تمت لمصلحة الأمة بصلة.

وتحرص إسرائيل وبعض الدول الغربية التي تدعمها، حيث إنها تضع نفسها دائماً ضمن هذه المصالح، على توازن دقيق بين المعسكرين القومي (أوفلنقل غير الإسلامي) والمعسكر الإسلامي في العالم العربي، فالتكافؤ في القوة الفعلية بين هاتين الإيديولوجيتين، من واقع التجربة، هوخير ضامن لاستمرار الصراع العربي العربي، وبالتالي يشكل أقوى ضمانة لوجود إسرائيل. فعندما تزداد قوى المد القومي في العالم العربي تتحرك القوى ذات المصلحة والتأثير لدعم المعسكر الإسلامي، والعكس صحيح. فبعد أن قويت شوكة المد الإسلامي تم تسليط القوى القومية عليها، ومن هنا يمكن الربط بين حرب عبدالناصر والإخوان، والحرب العربية الإيرانية، وحرب البعث على حماة، وحرب السادات وبعده مبارك غير المعلنة على الإخوان المسلمين، والحرب الجزائرية الجزائرية. فالسادات، مثلاً الذي كان منافسوه قوميين، دعم الإسلاميين فيما بعد وضرب بهم القوميين، ثم سجن الإسلاميين فيما بعد، ليعلن مصر بعدكامب ديفيد، الذي عارضها الجميع، مصرية فرعونية ليست عربية ولا إسلامية، فكانت نهايته.

حين قويت شوكة «خماس»، كما يسميها الإسرائيليون، بشكل سبب إزعاجا كبيرا لمسيرة «أوسلوا» سحقتها إسرائيل في أواخر التسعينيات، واغتالت كبار قادتها وسجنت ما تبقى منهم من الذين يتم الإفراج عنهم اليوم. ولا داعي للتذكير بأن حماس كانت دائماً تعارض إقامة دولة فلسطينية مجتزئة بأي شكل، ولا زالت لا تعترف بإسرائيل، وتنادي أحياناً بزوالها مما يشكل مخزونا دعائيا كبيرا لإسرائيل بأنها دولة مهددة من قبل جيرانها، وبسبب ذلك تتنصل إسرائيل من أي التزامات، وتستمر في تغيير الوقائع على الأرض، ولاسيما وأنه تأتي بعض العمليات العسكرية المشبوهة بين الفينة والأخرى انطلاقاً من غزة، لتحريك الصراع بهدف زيادة التعاطف الإسلامي مع حماس باستغلال المشاهد الدموية التي تخلفها عمليات الانتقام الإسرائيلي.

وفور تنازل القيادة الفلسطينية لحماس في بعض المواقف تتوقف هذه العمليات.

وبعد أن توجهت منظمة التحرير الفلسطينية في تحركها اليائس نحوالأمم المتحدة للاعتراف بها كدولة، وهوما لم تأت به مفاوضات استمرت لأكثر من عشرين عاما، ولخوف إسرائيل من خروج مسيرة السلام المزعومة من تحت عباءة حليفها الأول أمريكا وشركائها المنافقين في اللجنة الرباعية، مما قد يؤدي إلى إعادة تدويل الصراع لجأت إسرائيل لحماس مرة أخرى للتشويش على منظمة التحرير في عملية انتقامية هددت بها.

فحماس هي الجانب الذي تربطها بها مصلحة مشتركة في رفض هذا التوجه، فأقدمت إسرائيل في هذا التوقيت بالذات على إطلاق سراح المساجين الفلسطينيين مقابل الجندي جلعاد شاليط.

بهذه الحركة الذكية ضربت إسرائيل أكثر من عصفور بحجر واحد. فهي أظهرت حماس كجانب قوي منتصر أجدر بتمثيل الفلسطينيين من عباس وجماعته الذي قادوا الفلسطينيين في عملية طويلة من المفاوضات غير المجدية، بينما أثمرت مفاوضات حماس في تحقيق أهدافها التفاوضية بشكل ناجح. فحماس الرافضة للتوجه للأمم المتحدة، هي الجانب الأجدر بالتفاوض وتمثيل الفلسطينيين.

ثم إن هذا التحرك سعى لحشد تأييد لليمين المتطرف الحاكم في إسرائيل بتوجيه أبواق دعايته حول نجاحه في تحرير شاليط بعيداً عن الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد نتيجة للسياسات الاقتصادية التي أفقرت قطاعا كبيرا من الإسرائيليين.

أما الهدف الثالث، وهولا يقل أهمية عن سابقيه، أوربما يكون الأهم، فهودفع المجلس العسكري في مصر للانخراط في عمل دبلوماسي مشترك يعزز من أجواء الثقة بين الجانبين في هذا الظرف بالذات، مما قد يثير الإخوان المسلمين عليه ويعمق أجواء الخلاف داخل مصر، ويظهر ذلك أيضا اعتراف محسوب من القيادة الإسرائيلية بتأكيد دور مصر «كوسيط للسلام» فقط، وهذا ما يدعمه الاعتذار الرسمي المتأخر الذي سارع بتقديمه يهود باراك لمصر عن قتل ستة جنود مصريين في سيناء، وجاء متزامناً تقريباً مع إطلاق سراح المساجين الفلسطينيين الذين قاربت محكومية معظمهم على الانتهاء. فقد يكون هذا هوالتفسير لحماس إسرائيلي غير المعلن لدعم حماس مؤخراً.

latifmohammed@hotmail.com
Twitter @drmalabdullatif
 

الحماس لحماس
د. محمد بن عبدالله آل عبد اللطيف

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة