Thursday 15/12/2011/2011 Issue 14322

 14322 الخميس 20 محرم 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

تقاطع

 

(الجزيرة) تضع (رؤية الأهلة) على طاولة الحوار (2 - 3)
.. وتواصل مناقشة: علاقة الدين بالفلك ودور الحسابات الفلكية بالرؤية

رجوع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حوار وإعداد - محمد بن عيسى الكنعان

إكمالاً لما تحاور حوله الضيفان الدكتور محمد بن فهد الفريح عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء بالرياض والدكتور خالد الزعاق مشرف مرصد بريدة الفلكي، حول موضوع (رؤية الأهلة)، يواصلان في هذا الجزء (الثاني) مناقشة علاقة الدين بعلم الفلك ودور الحسابات الفلكية بالرؤية.. فإلى تفاصيل الحوار:

مصدر الدين والعلم

الدين والعلم مصدرهما واحد هو الله سبحانه، والفلك من العلوم المرتبطة بحياة الناس اليومية، فلماذا يُستبعد من تعزيز الصحة في إثبات رؤية دخول الشهر القمري؟، يجيب الفريح بإعادة تأكيده للموقف من الحساب الفلكي بقوله: (مضى في قرار هيئة كبار العلماء إلى جواز الاستعانة بالمراصد الفلكية، ولكن لا يربط بها حكم شرعي؛ لأن الشرع لم يعلق عليها الحكم بل علقه بالرؤية، وأبطل الحساب، مع التنبه إلى أن الشريعة لا تنفي إمكانية كون الحساب قطعي، وحتى مع كون الحساب قطعي فإنه لا يُجعل حكماً على الرؤية، فمن جعله حكماً على الرؤية في الإثبات أو النفي فقد رام الاستدراك على الإسلام الذي أكمله الله، وخالف الإجماع، وأحدث في دين الله، قال ابن تيمية: من خرج في ذلك إلى الأخذ بالحساب أو الكتاب كالجداول وحساب التقويم والتعديل المأخوذ من سيرهما. وغير ذلك الذي صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفيه عن أمته والنهي عنه، فالعلماء يعدون من خرج إلى ذلك قد أدخل في الإسلام ما ليس منه، فيقابلون هذه الأقوال بالإنكار الذي يقابل به أهل البدع. إلا أن الزعاق يرى المسألة من جهة حضارية، فيقول: (عدم الأخذ بالوسائل الرصدية الحديثة يدل دلالة واضحة على مدى التخلف الذي وصل إليه العالم الإسلامي، فالشعوب المتحضرة تخطط لاستعمار المريخ، ونحن ما زلنا نناقش مسلمات فلكية أجمعت على صحتها جميع شعوب الأرض منذ آلاف السنين، فعلم الفلك هو الذي مكن الإنسان أن يطأ بقدميه سطح القمر ونحن حتى الآن نناقش هل الحساب يستطيع أن يحدد موقع القمر في السماء، ونصدق العين البشرية الواهمة ونضرب بعرض الحائط جميع حسابات المراصد العالمية ومستخرجاتها).

استعانة المحاكم بالفلك

إذن إذا كانت المحاكم تستعين بالمختصين من مجالات متعددة كالطب والعقار وغيرها في القضايا وإثبات الشهادات، فلماذا لا يستعان بعلماء الفلك للتحقق والتأكد من صحة شهادة من رأى الهلال؟، الدكتور خالد يحيل السؤال إلى المحكمة العليا، لكن برأيه يقول: (شخصياً أطرح نفس هذا السؤال، علماً بأنه من المفترض أن تكون الشهادة مصادق عليها من قبل أهل الاختصاص من الفلكيين إذا علمنا أن هناك كثيراً من علماء المسلمين اليوم يرون جواز استخدام حساب الفلك في اعتماد رؤية أهلة الشهور، لأن المصلحة العامة تقتضي ذلك حفاظا على هيبة قرار رؤية الهلال وإجلالاً للمناسبات الكريمة، التي ينتظرها مئات الملايين من المسلمين. واعتماد الحساب الفلكي لرؤية الأهلة هو تطور طبيعي لعلوم الإنسان التي وهبها الله له عز وجل وأخبرنا بها في كتابه الكريم. ولكن الحق عز وجل يبين لنا أيضا أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وأن «الرسوخ» في العلم هو رسوخ مكمل ومتتالي لا بجزء من العلم فقط فيجب علينا استخدام العقل في حل مشكلة الأهلة ويؤيد هذا ما نلاحظه من أن الآيات التشريعية والكونية تذيل بـ{لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، وهي دعوة صريحة للنظر والتعقل في التعامل مع آيات الله تعالى الكونية والتشريعية على السواء). غير أن الدكتور محمد يرى المسألة بعدة وجوه، فيقول: (إن ما لم يأت النهي عنه في دين الله جاز استعماله والاستعانة به، فالأصل في المعاملات الحل والإباحة، بل قد يجب في بعض الحالات الاستعانة بأهل الاختصاص إذا لم تقم مصالح الناس إلا بها، ولم تؤد الحقوق إلا عن طريقها، كما يكون ذلك في المحاكم الشرعية كهيئة النظر وتقويم المتلفات من أهل الاختصاص ونحو ذلك، أما ما جاء النهي فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كالاعتماد على الحساب الفلكي وإبطال شهادة الشهود بناء على الحساب مع أن الشهود قد تم توثيقهم من قضاة المحاكم الشرعية، فلا يقال بأن المحاكم فرّقت بين المتماثلين فاستعانت في مسألة دون مسألة، والخلاصة أنه يرجع لأهل الاختصاص في المسائل التي لا نص فيها وعُلق الحكم فيها على قولهم، أما في الأهلة فالنصوص واضحة في الاقتصار على الرؤية فقط ورد ما سواها، كما أن أهل الفلك والحُسَّاب غاية أمرهم أن يقولوا: يولد الهلال أو لا يولد، وليس لهم شأن في الجزم بأنه يرى أو لا يرى؛ لأن الرؤية تختلف من شخص لآخر، ومن مكان لآخر، فلجزم باستحالة الرؤية خطأ من جهة، ومخالف للواقع من جهة أخرى؛ لذا قال بن تيمية: اعلم أن المحققين من أهل الحساب كلهم متفقون على أنه لا يمكن ضبط الرؤية بحساب بحيث يحكم بأنه يرى لا محالة، أو لا يرى ألبتة على وجه مطرد. علماً أنه تخرج لجان من جهات متعددة مع من يتراءى الهلال من مدينة الملك عبدالعزيز قسم الفلك, وغيرهم, وهذا أمر معروف، وقد حضرتُ بنفسي موقع الترائي في منطقة سدير أكثر من مرة، ومعنا تلك اللجان).

دقة الحسابات الفلكية

ولكن أليست الحسابات الفلكية حقائق علمية تتعلق بحركتي الشمس والقمر، فلماذا لا يتم الاعتماد عليها باعتبارها ضوابط علمية للتأكد من صحة الرؤية في إثبات الشهر، كي لا يقع هذا الجدل السنوي حول صحة الرؤية؟، أيضاً يؤكد الدكتور الفريح أن الجواب من وجهين، الواقع والشرع، فيوضح بقوله: (من جهة الواقع فإن الفلكيين أنفسهم مختلفون وقلَّ أن يجتمعوا على قول واحد؛ لأن لكل له حسابه، وما يتعلق بالحواسيب المتطورة، فهي مثل آلات الطب بلغت من الدقة ما هو واقع مشاهد، ومع ذلك يقع كبار الأطباء في أخطاء طبية لذا فالخطأ لا يلحق بالآلات، إنما يلحق من البيانات المدخلة فيها، وربما على تفسير نتائجها التي على إثرها يتكلم الفلكي، يدل ذلك عدم تطابق غروب الشمس الحسابي مع الغروب الفعلي حيث يكون الفارق بينهما بعض الدقائق، وهذا موجود في محضر وقع عليه بعض الفلكيين، وعندي منه نسخة، وهذا معروف لمن أنصف فالزوال الفعلي بغروب قرص الشمس لا بغياب مركزها)، ويشير الدكتور الفريح إلى اختلاف الفلكيين، فيقول: (أقرب مثال اختلافهم هذه السنة 1432هـ في إمكانية رؤية هلال شوال، وكذلك اختلافهم فيما بينهم في مواعيد دخول فصول السنة من جهة، واختلافهم مع الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة من جهة أخرى، كدخول فصل الخريف الذي مر على المملكة في الأيام الماضية، وهذا اختلاف تضاد لا تنوع؛ لأن كل واحد منهم له معياره الذي يتبعه في حسابه، وقد ذكر الدكتور محمد بن صبيان الجهني في بحثه الحساب الفلكي بين القطيعة والاضطراب أن القائلين بالحساب الفلكي انقسموا إلى أقسام كثيرة ذكر منها عشرة أقوال. وهذا الأمر قد تكرر فيما مضى فقد قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في كتابه فقه النوازل: (ما حدث في هلال الفطر شهر شوال من هذا العام 1406هـ. فإن الحاسبين أعلنوا النتيجة في الصحف باستحالة رؤية هلال شوال ليلة السبت (30) من شهر رمضان. فثبت شرعاً بعشرين شاهداً على أرض المملكة في مناطق مختلفة. ورؤي في أقطار أخرى من الأمة الإسلامية، فهذا دليل مادي حاضر مشاهد على أن النتائج الفلكية المعاصرة في هذا ظنية وضعيفة ضعفاً غالباً، وهذا في ساعة المعاصرة التي ينادي فيها البعض إلى الاعتماد على الحساب ولا أرى هذا الدليل إلا إعلاناً على عدم صدق شهادة الفلكيين لأنفسهم بأن حسابهم قطعي، وقال د. محمد بخيت المالكي وهو متخصص في الفلك في بحثه « ملاحظات على أسباب الاختلاف بين الرؤية اشرعية والحساب الفلكي لهلال الشهر الإسلامي»: (في رؤية عيد الفطر لعام 1413 هـ حدث الإشكال بين الرؤية والحساب مرة أخرى، حيث توقعت الحسابات أن يغرب القمر قبل الشمس بحوالي نصف ساعة في أنحاء المملكة، ومع ذلك شوهد في أنحاء مختلفة من المملكة وفي الإمارات كما أعلم، والذي أعلمه من مصدر موثوق بوزارة العدل أن الشهادات كانت أكثر من عشرة، وهناك إثباتات من الشهود كثيرة على مخالفة الحساب بالرغم من تحري الدقة في الحسابات قدر المستطاع. وحيث إن الشهادة عند إثباتها يُسأل الشاهد عن شكل القمر واتجاه فتحته وموقعه من الشمس -هذا نظام المحاكم في المملكة- فيصعب بل يستحيل ردّ شهادة المعايِن للهلال من أجل حسابات؛ لأن الرائي أثبت من غيره، أما من جهة الشرع، فيوضح الدكتور الفريح: (أن محاكمة الشهادة الشرعية الثابتة عند قضاة المحاكم بناء على الحساب الفلكي لا يجوز؛ لأنه تكليف بما لم يشرعه الله سبحانه وتعالى، ولم يأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، بل نهى عنه، وهو استدراك على الشرع ولا يُعرف أحد من أئمة السلف في القرون المفضلة قال بهذا القول، وإنما حدث القول به في عصر السبكي، وقد نص هو بنفسه على أنه أول من تكلم فيها، ورد عليه علماء الشافعية وغيرهم, وهو ما يُذكر من اشتراط انفكاك الرؤية عما يكذبها، وبعض الباحثين من الفلكيين وغيرهم يظن أن أهل العلم لم يفهموا مراده في المسألة فهو يقول: نحن لا نقول بالاعتماد على الحساب الفلكي، بل نقول بالاعتماد على الرؤية، لكن الشهادة لا بد من انفكاكها عما يكذبها حساً وعقلاً، وعليه إذا تكلم الفلكيون ونصوا على استحالة الرؤية، فالشهادة لا بد أن ترد, فهل هذا إلا اعتماد على الحساب، وجعله حاكماً على الرؤية، وبيان كونه استدراك على ما جاء به الشرع: إن الشريعة جاءت بقصر الأمر على الرؤية أو الإكمال للشهر، وعدم الالتفات للحساب لا في دخول الشهر، ولا في تكذيبه للشهادة، بل قال ابن قدامة: لو بنى على قول المنجمين، وأهل المعرفة بالحساب، فوافق الصواب لم يصح صومه، وإن كثرت إصابتهم؛ لأنه ليس بدليل شرعي يجوز البناء عليه، ولا العمل به فكان وجوده كعدمه، ثم إلى أي حساب تحاكم الشهادة على الرؤية، والحسابون مختلفون في حساباتهم. وما أحسن ما قاله الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله عام 1407هـ: اطلعت على ما نشرته صحيفة الدستور الأردنية بقلم الدكتور علي عبندة مدير الأرصادات العامة وعضو لجنة المواقيت في وزرة الأوقاف الأردنية. وما نشر في صحيفة الشرق الأوسط بقلم المهندس أمين عامر، والخبر المنسوب للدكتور رشاد قبيص مدير معهد البحوث الفلكية، الذي نشرته جريدة الأخبار المصرية، عفا الله عنا وعنهم، من جزمهم باعتماد الحساب في إثبات الأهلة. وزعم الدكتور علي عبندة أن الحقائق العلمية تؤكد عدم إمكانية رؤية هلال رمضان ذاك العام مطلقاً، حيث قال: بغيابه قبل غروب الشمس بحوالي 20 دقيقة، بناء على ما ذكره قبل ذلك من أن الحسابات الفلكية الدقيقة، وجداول التقويم الهجري الإسلامي الذي أقرته معظم البلدان الإسلامية ومن بينها الأردن، إلى آخر ما ذكر. وبناء على ذلك رأيت أن أوضح للقراء ما في هذا الكلام من الخطر العظيم، والجرأة على دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ونبذ ما صحت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء الظهر، وتقديم أقوال الفلكيين، وأصحاب التقاويم على ما دل عليه كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من تعليق إثبات دخول الشهر وخروجه برؤية الهلال أو إكمال العدة. وحكمه صلى الله عليه وسلم يعم زمانه وما بعده إلى يوم القيامة؛ لأن الله عز وجل بعثه إلى العالمين بشريعة كاملة لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه، كما قال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، وهو سبحانه يعلم أن الفلكيين قد يخالفون ما يشهد به الثقات من رؤية الأهلة، ولم يأمر عباده في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بالاعتماد على الحساب الفلكي، أو اعتباره شرطاً في صحة الرؤية، ومن اعتبر ذلك فقد استدرك على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وألزم المسلمين بشرط لا أصل له في شرع الله المطهر، وهو ألا تخالف الرؤية ما يدعيه الفلكيون من عدم ولادة الهلال أو عدم إمكان رؤيته. وقد صرحت الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبطال هذا الشرط والاعتماد على الرؤية أو إكمال العدة)، ويضيف الفريح: (وقد ذكر بن تيمية رحمه الله في رسالة صنفها في هذه المسألة الإجماع على أنه لا يجوز العمل بالحساب في إثبات الأهلة، وهو رحمه الله من أعلم الناس بمسائل الإجماع والخلاف. ونقل الحافظ في الفتح ج4 صـ127 عن أبي الوليد الباجي: إجماع السلف على عدم الاعتداد بالحساب، وأن إجماعهم حجة على من بعدهم. ولست أقصد من هذا منع الاستعانة بالمراصد والمنظارات عى رؤية الهلال، ولكني أقصد منع الاعتماد عليها، أو جعلها معيارا للرؤية لا تثبت إلا إذا شهدت لها المراصد بالصحة بأن الهلال قد ولد. فهذا كله باطل. ولا يخفى على كل من له معرفة بأحوال الحاسبين من أهل الفلك ما يقع بينهم من الاختلاف في كثير من الأحيان في إثبات ولادة الهلال أو عدمها. وفي أماكن الرؤية للهلال أو عدم ذلك. ولو فرضنا إجماعهم في وقت من الأوقات على ولادته أو عدم ولادته لم يكن إجماعهم حجة؛ لأنهم ليسوا معصومين، بل يجوز عليهم الخطأ جميعا، وإنما الإجماع المعصوم الذي يحتج به، هو إجماع سلف الأمة في المسائل الشرعية؛ لأنهم إذا أجمعوا دخلت فيهم الطائفة المنصورة التي شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها لا تزال على الحق إلى يوم القيامة، وأما غيرهم فليس إجماعهم حجة تعارض بها الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، كما يعلم ذلك من كتب الأصول، وعلم مصطلح الحديث. على النقيض يبدو رأي الدكتور خالد الزعاق، فيقول: (مشكلتنا نحن ليست مع الرؤية العينية، بل مع أصحاب الرؤية، فنحن نقول أن الأصل هي الرؤية العينية الصحيحة، التي لا تخالف الناموس الكوني، أما الرؤية المخالفة لسنة الله الجارية فهي التي نردها، فالرؤية العينية ظنية والشهود ليسوا معصومين من الخطأ والحساب الفلكي الحديث قطعي ونسبة احتمال الخطأ في تقديراته (1- 100000) في الثانية. والعين البشرية ينتابها أخطاء، ويصيبها خداع وأوهام وخاصة في عصرنا الحديث، ويعزز ذلك ما أصاب الأجواء من تلوّث بالغبار والدخان، وما يجول في السماء من أقمار صناعية ومركبات فضائية وطائرات وغيرها، دون أن ننسى الإشارة إلى العوامل الطبيعية والفيزيائية وحتى البيولوجية والنفسية. وهذه الأخيرة هي الأهم إذ «أن أكثر حالات خداع البصر تعتمد كلياً على أننا لا نكتفي بالنظر إلى الأشياء فقط، بل ونحكم عليها بلا وعي، وهكذا ندفع أنفسنا إلى ارتكاب الخطأ بصورة لا إرادية» وقد أشارت الأبحاث والدراسات العلمية إلى تلك الظاهرة وأفاضت في التعرض لها وفي دراسة أسبابها، كذلك وردت إشارات إليها في كتب السّيَر، ففي المجال العلمي هناك عدد كبير في الأمثلة والتي لا مجال لحصرها هنا، ومنها مثلاً مشاهدات الصحون الطائرة التي خضعت لدراسات علمية تمت على 13.000 حالة وظهر أن (90%) من هذه الحالات أي 11700حالة، هي ظواهر صناعية أو طبيعية أو تأثيرات آنية في العين).

مرجعية الحسابات الفلكية

يؤكد الفلكيون دوماً ضرورة الاستعانة بالحسابات الفلكية، فهل هذه الحسابات قطعية، وما هي المرجعية التي يحتكم إليها الفلكيون في علمهم هذا.. وإذا كانت الحسابات قطعية ومعاييرهم واحدة فلماذا يقع الخلاف بينهم؟

يبين الفريح قائلاً: (جرى الكلام على أنه الاختلاف واقع بين الفلكيين في الرؤية، وفي دخول فصول السنة، وهناك بعض الأشياء لا يمكن ضبطها بحساب كما أشار إليه بن تيمية كما في قوله: واتفق أهل الحساب العقلاء على أن معرفة ظهور الهلال لا يضبط بالحساب ضبطا تاما قط؛ ولذلك لم يتكلم فيه حذاق الحساب؛ بل أنكروه؛ وإنما تكلم فيه قوم من متأخريهم تقريبا، بل وصل الحد ببعض الفلكيين كما بلغني أن ذهب يتكلف ما لم يُكلف به حتى بلغ به الحال أن صدق حسابه، وجعل وقوف الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في يوم عرفة خاطئاً بناء على حسابه نسأل الله العافية، فهل بعد هذا ضلال، وقريباً منه في الضلال ما ذكره بعضهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان بدائياً في متابعة القمر؛ لأنه يعيش في مجتمع غير متطور، وهذا من الخلط بين الاستعانة بالحساب الفلكي الذي كان موجوداً عند العرب من زمن قديم، وبين الاستعانة بالمناظير وآلات التقريب التي يستعان بها في رؤية الهلال، فأدى الجهل بهذا إلى مثل هذا الكلام). لكن الزعاق يوضح بقوله: (أن الحساب كان ظنياً، بل كان دون ذلك، ولكنه الآن أصبح قطعياً لأن حركة الأجرام السماوية من شمس وقمر وغيرهما حركة منتظمة لها قانون ثابت، يقول الله تعالى {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} أي بحساب ثابت دقيق جداً، كما تدل عليه صيغة المبالغة. ويقول سبحانه {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ* لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}، ولقد بدأت محاولات الإنسان لمعرفة قوانين حركة المجموعة الشمسية منذ زمن سحيق، وبدأ العلماء يحققون شيئا من التقدم منذ آلاف السنين، واستمر العلماء في تعديل حساباتهم حتى أصبحت في عصرنا غاية في الدقة، وحتى أصبحوا يحسبون الشهر القمري بأجزاء الثانية، وأصبح من المعلوم لديهم جميعا دون اختلاف أن متوسط الشهر القمري هو: 29 يوما و12 ساعة و44 دقيقة وثانيتان و87% من الثانية، أيمكن بعد ذلك أن يقال إن الحسابات الفلكية ظنية؟ ومما يؤكد هذه الدقة أن حسابات الكسوف والخسوف دقيقة جدا رغم أنها أصعب بعشرات المرات من حساب بداية الشهر القمري، ومع ذلك يحدد العلماء قبل عشرات بل مئات السنين مواعيد الكسوف والخسوف باليوم والساعة والدقيقة، ويحددون الأماكن التي يرى منها، وكم سيستمر، وهليكون كليا أم جزئيا، وكل ذلك يتحقق بدقة كما يعرف المتابعون لذلك).

 

رجوع

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة