ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Wednesday 07/03/2012/2012 Issue 14405

 14405 الاربعاء 14 ربيع الثاني 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

تُعدُّ الفوقية والسلطوية المشهد الأبرز في تعامل الكثير من أساتذة الجامعات لدينا مع أبنائهم الطلاب وبناتهم الطالبات، إلى جانب قدر كبير من سوء المعاملة المغلّفة بقالب عنف يخلو من الرحمة واللين، وتشوبه الكثير من الصرامة والشدة، بل حتى الشراسة والتعنت أحياناً.

ونجد أن هذا السلوك التربوي غير السوي يمارسه بعض الأساتذة الجامعيين بشكل آخر حين يعمدون لاستغلال مواقعهم وسلطتهم الأكاديمية للإضرار بطلابهم لأسباب خارجة عن الأُطر والمعايير الأكاديمية التي تحدد العلاقة بين الأستاذ والطالب الجامعي، والتي يجب أن يكون من أولوياتها العدالة والتجرد والإنصاف. وكأني بهذا النوع من الأساتذة يعتقدون أن التلويح بعصا الدرجات الغليظة، والتخويف بالرسوب في موادهم، هما الفيصل الذي يمنحهم احتراماً ومهابةً ينشدونها من طلابهم الذين لا حول لهم ولا قوة إلاّ الانصياع لمطالب من يمسك بزمام مصيرهم الأكاديمي ومستقبلهم.

ومنحى آخر قاتم يجلي حالة التأزم بين الأستاذ والطالب الجامعي متمثل بصور يمارسها بعض الأستاذة الجامعيين، تتراوح بين التجريح العلني أمام الجميع، ومحاولة تعقيد مسيرة الطالب، والعمل بكل ما أوتي من قوة لتحطيمه معنوياً، وهز ثقته بنفسه، ومحاولة التقليل من مكانته أمام زملائه علانية، أو من خلال ازدراء ما يتفوه به عند محاولته الإجابة عن سؤال تم طرحه، أو عندما يقوم بمساءلة أستاذه عن أمرٍ ما؛ وذلك كله على ضوء خلفية موقف شخصي كوَّن من خلاله الأستاذ شعوراً وموقفاً سلبياً تجاه تلميذه. ويأتي إلى جانب ذلك التهديد والوعيد بالرسوب منذ المحاضرات الأولى في مادته، وحرمان الطالب من دخول قاعة المحاضرات بسبب التأخر دقائق معدودة عن بداية المحاضرة.

هذا إلى جانب تقديس الرأي الواحد، والحجر، أو تكبيل أفواه الآراء المخالفة التي ربما يدلي بها الطلاب؛ فالكثير من أساتذتنا - بحكم عصمتهم التي أوجدوها لأنفسهم - يقدمون المعرفة لطلابهم في صور جاهزة قطعية غير قابلة للمناقشة والتكذيب، تلفّها هالة من التقديس والعصمة الواهية، ولا تُتيح لهم الفرصة كي يناقشوا مضامينها ومراميها، أو طرح علامات الاستفهام حول أطروحاتها، أو حتى إثارة الأسئلة حولها.

والكثير من الطلبة الجامعيين أنفسهم أيضاً شركاء في خلق هذه الأجواء السلبية من خلال تبنيهم مجموعة من الصفات والسلوكيات الأكاديمية غير السوية المنطوية إجمالاً بعدم استشعار مسؤولية الطالب الجامعي الذي هو بحاجة إلى أن يُبدي قدراً عالياً ورغبة جادة للتعلم، والتحلي بالحماس، والانتباه، والمشاركة الفعَّالة داخل قاعة المحاضرات، والسعي جاهداً للمشاركة بفعالية وكفاءة في العملية التعليمية، والحرص على حضور المحاضرات في الوقت المخصص، والقيام بالتحضير والاستعداد الجيد لكل محاضرة، ومحاولة امتلاك الفضول العلمي الذي ينطوي على طرح الأسئلة العلمية، والرغبة الصادقة في التعلم، وأن يبدي استعداده لبذل أقصى قدرة وطاقة من أجل الاستفادة والتعلم، ومقابلة جهود أساتذته وسعيهم الحثيث لتزويده بكل ما يجب أن يعرفه في مجال تخصصه بالعرفان والتقدير والإجلال.

إلى جانب هذا نجد أن العديد من الطلبة الجامعيين يعمدون أيضاً إلى زيارة الأستاذ في مكتبه فقط أثناء فترة الامتحانات لمعرفة الفصول المحذوفة، والتعرف على طبيعة الامتحان الفصلي، أو النهائي، وعدم تسليم ما يقوم الأستاذ بتكليفهم به من بحوث دراسية صفية. وإلى جانب ذلك يقوم البعض منهم بالتغيب المتكرر عن حضور المحاضرات، ومحاولة اختلاق الأعذار الواهية لعدم الحضور، والاشتغال بأمور أخرى على حساب التحصيل العلمي، وكذلك تأخير مذاكرة المادة العلمية إلى قبيل فترة الامتحانات، وقصر طموحه على تأدية الحد الأدنى الذي يضمن له النجاح في المادة، والرضا أو القناعة بالتخرج بمعدل متدنٍ. إضافة إلى الاستعداد للانقضاض الشرس، وإلقاء اللوم على أساتذتهم ما إن تظهر النتيجة عكس مرادهم؛ لذا تجدهم بدلاً من التوقف مع أنفسهم ومحاسبتها عن القصور الذي مارسوه طيلة الفصل الدراسي، واستحقوا بسببه الرسوب والإخفاق، يرفعون عقيرة الشكوى الصارخة، يكيلون فيها أقذع الأوصاف وأشدها تجاه معلميهم.

هذا الوضع الشائك يمكن له أن ينصلح من خلال تبني مجموعة من الصفات والسلوكيات الأكاديمية المتمثلة إجمالاً بالدفء الأكاديمي الذي يجعل الأستاذ الجامعي يتعامل مع طلابه من منطلق الأبوة الحانية التي تتطلب المرونة في التعامل، والسعي الدائم لتحفيز طلابهم، ومكافأة الطلاب أكثر من السعي لمعاقبتهم، أو تغليب فكرة الدعم والتشجيع على العقاب، والعمل دوماً على مساعدة الطلاب، وبث الحماس فيهم، ومعاملتهم بشكل متساوٍ وعادل، وإعطاءهم هامشاً كافياً للحرية لإبداء آرائهم حيال القضايا التعليمية المرتبطة بالمادة العلمية بكل تجرد وشفافية. وإلى جانب هذا المجال القيمي الأبوي يأتي الإطار الأكاديمي العلمي الذي يتطلب من الأستاذ الجامعي بناء علاقته بطلابه من خلال منظار السعي الحثيث لإمدادهم بزاد علمي ومعرفي يتوافق مع قدراتهم، وإكسابهم مهارات التفكير، والبحث العلمي، والتعليم الذاتي؛ ما يجعلهم في نهاية المطاف قادرين على أداء أدوارهم المهنية والتعليمية بكل كفاءة واقتدار. ومن هنا فأضلاع إطار علاقة الأستاذ الجامعي بطلابه مكوَّنة من جوانب إنسانية أبوية أو أخوية، وأخرى أكاديمية تربوية، وهما مجالان ليسا منفصلين عن بعضهم بعضاً، بل على العكس هما متلازمان وملتصقان ببعضهما بعضاً التصاقاً وثيقاً.

ومن هنا يمكن القول إن هذه العلاقة المتأرجحة بين السمو والارتياب أو السخط لا يفترض أن تكون موجودة لتبقى هكذا أبد الدهر، وإنما على كل طرف معني بأن يرتقي ليغلب الجانب الأصح والمفترض في العلاقة بين الأستاذ الجامعي والطالب، والبوابة التي يمكن أن ينطلق منها الاثنان تكمن في خلق جسور متينة من التفاهم والثقة بينهما، وإبداء قدر متبادل من الاحترام والتقدير، واستشعار كل طرف مسؤوليته وواجباته المناطة به في ظل اللوائح والتقاليد الجامعية المتعارف عليها. وعندما ننجح في خلق هذه الحالة الإيجابية، أو بالأحرى نسبح باتجاه الشاطئ المثمر، سنسهم حتماً في إيجاد مناخ جامعي يساعد الأستاذ الجامعي على تأدية دوره الرسالي، وفي الوقت نفسه الطالب على أداء دوره العلمي؛ وبالتالي ستسهم جامعاتنا - ولا شك - في تخريج مواطنين صالحين معدين إعداداً علمياً متيناً وعلى أهبة الاستعداد لأداء ما سيُناط بهم من أعمال بكل كفاءة واقتدار.

alseghayer@yahoo.com
 

بين الأستاذ والطالب في جامعاتنا
د. خالد محمد الصغِّير

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة