ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Friday 23/03/2012/2012 Issue 14421

 14421 الجمعة 30 ربيع الثاني 1433 العدد

  
   

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

إلى أي حد يتحمل الرئيس بشار الأسد المسؤولية عن كل ما يرتكب من فظائع وأهوال في سورية؟ إنه يتحمل كل المسؤولية. دون أن تنقص منها شعرة واحدة. وهي ليست مسؤولية سياسية (رسمية) فحسب، ولكنها مسؤولية شخصية أيضاً. إنه مسؤول، عن كل قطرة دم سفكت. وعن كل دمعة عين نزلت. وعن كل صرخة ألم

أطلقت. وعن كل كلمة حق قيلت، فعُطّلت. كما أنه مسؤول عن كل الخيارات الخطأ التي اختار نظامه السير بها منذ اندلاع الانتفاضة ضده في آذار 2011 إلى يومنا هذا. وهو مسؤول أيضاً عن كل وجه من وجوه حملة التضليل التي قادها نظامه لتشويه صورة الانتفاضة السلمية. بل إنه مسؤول عن تسليحها، وعن تسلُّل العصابات الإرهابية إليها، وعن الجرائم التي ارتكبت، ليس ضد مناهضي النظام وحدهم، بل وعن أعمال القتل التي تعرّضت لها قواته نفسها، على أيدي عصابات نظامه نفسها. وهو مسؤول عن التخطيط والتدبير، وذلك بقدر ما انه مسؤول عن النفاق والتزوير. وعن كل أعمال الدجل والمناورات الرخيصة التي اتبعها لإطالة أمد الأزمة. إنه مسؤول ليس لأنه شارك في صُنع كل قرار من قرارات المجزرة فحسب، بل لأنه حرص على أن يظهر نفسه كشخص بريء أيضاً، في واحد من أسوأ أمثلة التنصُّل، وأكثرها ابتذالاً. ولكنه فعل كل ذلك، لأنه غائب عن الوعي، ولأنه كان ضحية عملية تضليل شديدة التعقيد أفقدته الرّشد.

لقد جاء هذا الشاب إلى السلطة وهو لا يملك من الخبرة ما يكفي لكي يكون رئيساً. وهو أحيط بعصابة ذات خبرات عميقة ومعتّقة في الغش والخداع والتدليس؛ عصابة قادرة على أن تصوّر له الأبيض أسود، والأسود أبيض، وتقدم له الحق باطلاً والباطل حقاً. لقد وُضع في دائرة تعفّنت في وسائل الجريمة، وقيل له: أنت الآن رئيس. ولكنه لم يكن رئيساً بالمعنى الفعلي للكلمة. لقد كانت تلك الدائرة هي الرئيس. العصابة الصغيرة من المقرّبين وقادة الأجهزة الأمنية، كانوا هم الرئيس الذي يحدد الخيارات ويرسم الخطط ويقدم التبرير. وتم استخدمه كواجهة. لقد استعملوه، بأسوأ ما يمكن لإنسان أن يُستعمل. وجعلوه صورة، لكل الأعمال التي يقومون بفعلها في الخفاء.

هل لم يكن يعرف؟

لا. كان يعرف. أو صار يعرف. ولكن ساعة لم يَعُد بوسعه أن يفعل أي شيء.

لقد تحوّلت سلطة القسوة والجريمة، بكل وحشيتها، إلى قناعة شخصية، والى ضرورة من ضرورات البقاء. أما التغطيات، فقد كانت جاهزة، ومصقولة جيداً: الصمود، والممانعة والتصدِّي، بينما كان كل شيء سائراً في طريق التفسُّخ والانهيار والتردِّي. وعندما أصبح متورِّطا بالكامل، صار معنياً بالكامل، وصارت اللعبة لعبته، دون أن يدرك أنه قد جُرّ إليها جرّاً، ودون أن يرى أنّ دائرة الفساد المحيطة به، كانت تستعمله، وتضحك عليه، قبل أن تجعله جزءاً منها. استعبدوه، وأثنوا عليه. علّموه الصّنعة. وعندما تأكدوا أنه نسي كل شيء سواها، جعلوا منه أسطة عليهم. طمأنوه، واطمأنوا. قالوا له: هكذا بقينا نحكم لأكثر من خمسين عاماً. فإذا تغيّر شيء أو تغيّرنا، فإنّ كل شيء سينهار. وستكون أنت المسؤول. فأصغى ورضخ. قدم وعوداً بالإصلاح، وتخلّى عنها. استقبل مثقفين، واعتقلهم. وأغمض عينيه على الفساد، فلما وجد نفسه غارقاً فيه، تعلّم السباحة، وقرّر العوم.

لماذا فعل ذلك؟

لأنه لم يكن لديه أي حل آخر. لقد جاء إلى السلطة دون أن يعني. وقعت عليه بقرعة الأقدار. والبلد تحكمه قبضة من حديد، فإما أن يُمسك بها، وإما أن تعصره. فاختار أن يجعلها ذراعه. وهكذا كان. نسي أنه طبيب. فصار من الجائز أن يسمح لشبيحته أن يمارسوا أعمال التعذيب حتى في المستشفيات. ونسي أنه ابن رفاهية معدّة مسبقاً، فاختار أن يستعين باللصوص ويجعل منهم مليشيا خاصة به. ونسي أنه ابن رئيس، فأوكل أمره للرعاع. ونسي أنه وعد بالإصلاح، فذهب بالفساد إلى أبعد مداه. ونسي أنّ لديه دستوراً، فأعدّ دستوراً أردأ منه، ولم يلتزم بالاثنين معا. نسي كل شيء. وبدلاً من أن يكون رئيساً لسورية العربية، صار رئيساً لسورية الفارسية. وهذا انقلاب لا يفعله نبيه أو فصيح. وهو لم يحسب لشيء حسابه.

وبعد عام على الانتفاضة ضد حكمه، انتهى إلى أنه خسر في السياسة ما كان ليس مضطراً لتقديم ربعه، لو أنه اختار الإصغاء إلى صوت العقل. وخسر في الاقتصاد ما كان لن يصل إلى عشر الأضرار التي أصيبت بها البلاد. وتمزّق جيشه. وتشرّد عشرات الآلاف من أهاليه. وخسرت بلاده علاقاتها العربية، وأدانها أكثر من ثلاثة أرباع دول العالم في الأمم المتحدة. وسفراؤه طردوا. وعوقب كما عوقب مقرّبوه حتى لم يَعُد بوسعهم أن يزوروا دولة. وظل لا يعرف مخرجاً من الورطة، إلاّ بالمزيد منها. لقد أثبت الرئيس بشار الأسد أنه إما غير عاقل، وإما أنه محبوس. فبطانته تعرف أنه يمكن أن ينجو دونهم، فآثروا إبقاءه قائلين له: إما أن ننجو معاً، أو نغرق معاً. ولشدة ما هم خائفون، فإنّ ردود فعلهم الهستيرية، زادتهم بطشاً، وزاد بطشهم هستيريتهم، وزادتهم الهستيريا خوفاً حتى أصبحوا مجانين، يقودون وينقادون بخلل جسيم في المخ. وإذ يعرفون أنه لا منجاة لهم، فكأني بهم اختاروا الغرق. واختاروا أن يغرقوه معهم، بعد أن يغرقوا بلادهم بالموت والدمار. ولا ولاية على من لا ولاية له على نفسه.

في الظروف الاعتيادية، فإنّ الرئيس مسؤول عن كل أفعاله، وكل ما ينشأ عنها من عواقب. ولا تستطيع أن تعفيه من قطرة دم سفكت، ولا من دمعة هطلت، ولا من صرخة ألم ارتفعت، ولكنك لا تستطيع أن تحاكم رجلاً محبوساً وسط مجموعة مجانين. وإذ جُنوا، فقد جنّ معهم، حتى لم يَعُد يعرف ماذا يفعل. فكل ما يفعله ضار. وكل ما يستنتجه غير مفيد، وجميع خياراته خاطئة. وهذا هو بالذات، حال كل الذين لا ولاية لهم على أنفسهم.

ولهذا السبب، فإنه مسؤول وغير مسؤول، وتجوز عليه الشفقة ولا تجوز. بشار الأسد، الشاب، الطبيب، المتعلم، ابن الأسرة، والجاي من بلاد بره. لم يكن رجل سوء، ولا شريرا إلى هذا المستوى. حسبها غلط. ولكنه حسبها على منزلق، فتطيّنت معه أكثر، ومن خطأ إلى خطأ، أصبح عاجزاً عن مغالبة القدر. شيء واحد يجب أن يؤخذ في عين الاعتبار، في النظر إلى دكتاتوريته الافتراضية، هو أنه يحكم وهو محكوم عليه. وخياراته محدودة. وبدلاً من أن يقود النظام، قاده النظام، حتى سارت البلاد إلى الهلاك. وهذا ما كان.

* كاتب وناشر ورئيس تحرير «المتوسط اونلاين»

 

هذا ما كان
علي الصراف

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة