ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Monday 07/05/2012/2012 Issue 14466

 14466 الأثنين 16 جمادى الآخرة 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

كانت المقالة السابقة المكوَّنة من ثلاث حلقات عن المؤتمر، الذي أقامته مشكورة الجامعة الإسلامية في المدينة حول “اللغة العربية ومواكبة العصر”. ووضع اللغة العربية، وبخاصة في مهدها جزيرة العرب، وضع مؤلم لمن يتأمَّلونه حق التأمُّل.

وفي بداية الحديث، هذا اليوم، أَودُّ أن أشير إلى ما سبق أن ذكرته في مقالة من ثلاث حلقات نشرتها في هذه الصحيفة الغرَّاء، قبل عام بعنوان: “مضايقة اللغة العربية في مهدها”، وهو أن إنشاء قيادة هذا الوطن مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية دليل من أدلَّة مُتعدِّدة على الجهود المشكورة لهذه القيادة، ويرجو المخلصون الحريصون على لغتهم أن يُحقِّق الأهداف المرجوة منه، وهو من الجوانب الإيجابية، التي منها إنشاء كليات للغة العربية في عدد من جامعات المملكة، وإنشاء معاهد داخل الوطن وخارجه لتعليم هذه اللغة لغير الناطقين بها.

وكنت قد أشرت في تلك المقالة، أيضاً، إلى أن تنامي التوجُّهات الإسلامية لدى الشعوب المسلمة في الآونة الأخيرة كان من أسباب توالي إنشاء عشرات المدارس - وربما مئات المدارس - لتعليم تلك اللغة في بلدان إسلامية غير عربية، ولاسيما في تركيا وماليزيا وإندونيسيا. على أني أوضحت في المقالة ذاتها أن المرء بقدر ما يفرح ويبتهج برؤيته ما يحدث من أمور إيجابية تجاه اللغة العربية في بلدان غير عربية يتألَّم ويأسف برؤيته ما يحدث من مضايقات لها في مهدها. وضربت أمثلة واضحة على تلك المضايقات.

وقبل سبع سنوات كتبت مقالة نُشِرت في صحيفة الجزيرة بعنوان “الجانب الثقافي للأمركة”. وفي تلك المقالة أشرت إلى مشروع قَدَّمته الإدارة الأمريكية، زعمت أنه لتحديث اللغة العربية، وعَلَّلت ذلك بأمور واضحة المكر والخداع. وكانت نتيجة ما توصلت إليه في ذلك المشروع أنه لا بد للتطوير من إلغاء المناهج القائمة، التي تعتمد على دراسة اللغة والنصوص المتشابهة؛ مثل الشعر القديم المنتهي بقافية واحدة، وإلغاء ما تتضمَّنه العربية ومناهجها من توجيهات ومبادئ دينية قد لا تَتَّفق مع بناء تواصل مع غير العرب. ولا أدري - بعد مرور تلك السنوات السبع - ما إذا كانت تلك المناهج في جزيرة العرب قد تَبنَّت شيئاً من ذلك المشروع أو لم تتبنَّ شيئاً منه.

غير أني رأيت تسارع التأمرك في الجزيرة العربية؛ ولذلك نشرت مقالة بتاريخ 26-4-1433هـ بعنوان “التأمرك في مهبط الوحي ومهد العربية”. ومما ذكرته في تلك المقالة:

قبل أن تَستقلَّ الأقطار العربية، التي ابتُليت بالاستعمار الغربي، كان المستعمر هو الذي يفرض أن تكون لغته هي اللغة المستعملة في التدريس. وبعد أن ارتحل المستعمر رسمياً من تلك الأقطار أصبح يوجد من المسؤولين الوطنيين المُتولِّين مسؤولية التربية والتعليم مُتحمِّسون لأن يكون التدريس بلغة غير عربية. وفي عام 1981م قَرَّر وزراء الصحة العرب أن تكون اللغة العربية - في غضون عشرين عاماً - هي لغة التدريس لجميع المواد وفي كل المراحل الدراسية. وبدلاً من أن يُنفَّذ ذلك القرار أصبح المرء يرى المأساة أمام عينيه في جزيرة العرب.. مهد اللغة العربية.. ومن ملامح هذه المأساة تغيير التدريس في الجامعة الأم في أحد بلدان هذه الجزيرة من اللغة العربية إلى الإنجليزية في جميع المواد، بما فيها التاريخ الوطني والإسلامي وأكثر مسارات قسم اللغة العربية نفسه. وفي بلد آخر من بلدان الجزيرة العربية المتسارعة الخطى نحو التأمرك سمح بأن يكون التدريس في المدارس غير الحكومية بلغة أجنبية، ابتداء من السنة الأولى الابتدائية، باستثناء القرآن الكريم بطبيعة الحال، وإن وجد شيء قليل من مادة دينية.

ولئن كنتُ قد أشرت سابقاً إلى كتابة عالمين جليلين من أبناء هذا الوطن حول ما تواجهه اللغة العربية في وطننا العزيز، هما الدكتور أحمد الضبيب والدكتور راشد المبارك، فإن هناك كُتَّاباً آخرين أدلوا بدليِّهم في هذا المجال. ومن هؤلاء الكاتبة الكريمة مرام مكاوي، التي كتبت مقالة في جريدة الوطن بتاريخ 27-5-1428هـ بعنوان: “سوري.. ربنا”. ومما ورد في مقالتها إشارتها إلى تأثير اللغة الأجنبية السلبي على اللغة العربية لدى من درس بغير هذه اللغة وعلى تفكيره. وضربت أمثلة على ذلك، منها أنها “عرفت فتاة من الطبقة المخملية قالت: إنها ستسمِّي ابنها بنجامين، ومعناه - وفقاً لأختنا التي تجيد العبرية - عبد الله؛ إذ يبدو أن اسم عبدالله بالعربية يُعتبر بالنسبة لها “دقَّة قديمة”. ومن ذلك أنها سألت شابة عربية درست منهج البكالوريا الفرنسي في بلدها، ثم درست في الجامعة الأمريكية ببيروت، أَيّ لغة تتقنها أكثر؟ فأجابت: بشكل عام الفرنسية، ثم الإنجليزية. وأتعس كتابة لي هي باللغة العربية. وقد اختتمت الأخت مرام مقالتها بقولها:

“نحن إذ ندافع عن العربية وعن التعليم بها فلسنا ضد اللغة الإنجليزية الجميلة وتدريسها لغة ثانية.. بل نحن نمارس شكلاً من أشكال المقاومة ضد العولمة بمعناها السيئ، وضد ذوباننا بوصفنا أمة وبقايا حضارة. فالطوفان العولمي أقوى من أيِّ وقت مضى الآن. والضعف في اللغة تأثيراته بعيدة المدى. أخشى أن يأتي يوم ندعو فيه - نحن العرب - الله بالإنجليزية كما فعل طفل صديقتي حين طلبت منه أمه أن يستغفر الله؛ لأنه ضحك في صلاته، فقال ببراءة: “سوري ربنا”.

ومن أبناء الوطن، الذين كتبوا كتابة جيدة في الموضوع المُتحدَّث عنه الدكتور محمد العيسى الذكير، المتخصص في الكيمياء الأرضية (الجيوكيمياء)، وذلك في مقالة نشرها في صحيفة الجزيرة بتاريخ 1-1-1429هـ بعنوان: “الدعم لعالمية اللغة العربية وتشويهها في تعليمنا العام”. ومما أشار إليه في تلك المقالة دعم الأمير سلطان بن عبدالعزيز - رحمه الله - للغة العربية في اليونسكو للمحافظة على عالمية هذه اللغة، وسعي الملك فيصل بن عبدالعزيز - رحمه الله - مع إخوانه من الدبلوماسيين العرب - عند تأسيس الأمم المتحدة - لتكون العربية واحدة من خمس لغات عالمية معتمدة في تلك المنظمة. ومما أشار إليه، أيضاً، أن مناهج الكيمياء في وطننا العزيز - عندما كان الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، وزيراً للمعارف - في المرحلة الثانوية تطبع بالعربية، ويكتب الطلاب العناصر والمركبات والمعادلات الكيميائية بالعربية. وقال: إنه عندما كان مبتعثاً في أمريكا كان يتفاخر أمام زملائه الأمريكيين بوجود رموز للعناصر الكيميائية بالحروف العربية. وهنا يسأل الدكتور محمد: هل المبتعث حالياً يعرف أنه توجد رموز للعناصر الكيميائية بالعربية، ناهيك عن أن يتفاخر بها أمام الزملاء هناك؟ وإن من نتائج التعليم الذي طمس في عقول علماء المستقبل تطوير العربية إلى لغة علمية رمزية، وهو استخفاف بهذه اللغة. ومما ذكره الدكتور، أيضاً، واستهجنه خلط اللغة العربية بلغة أجنبية، مورداً ما عبَّر عنه الشاعر حافظ إبراهيم بقوله:

سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى

لعاب الأفاعي في مسيل فُرَاتِ

فجاءت كثوب ضَمَّ سبعين رقعة

مُشكَّلة الألوان مختلفاتِ

قال كاتب هذه السطور: كانت كتابة الدكتور محمد تلك قبل أربع سنوات. وفي خلال هذه السنوات الأربع تَفشَّت وانتشرت ما سُمِّيت بلغة “الأَربيز”. وهي خطوة جديدة في مسيرة التأمرك. واختتم الدكتور مقالته بقوله:

“أُذكِّر كل مسؤول في وزارة التربية والتعليم بما جاء في إعلان الرياض، الذي صدر بعد اختتام القمَّة العربية في هذه المدينة، بأن تدعم اللغة العربية في جميع الميادين، بما في ذلك وسائل الاتصالات والإعلام والإنترنت وفي جميع العلوم والتقنية”.

أما كاتب هذه السطور فيقول في ختام هذه الحلقة من كتابته: “ما أكثر توصيات المؤتمرات! وما أقلَّ تنفيذ هذه التوصيات! والكتابة الجميلة، التي نشرتها الدكتورة عزيزة المانع، حول اللقاء العلمي الذي أقامته وزارة التعليم العالي مؤخراً عن التعليم، جديرة بالشكر والتقدير، وهي كتابة تؤكِّد ما سبق أن ردَّدته مراراً من أن علتنا علَّة باطنية، وأن بيت الشاعر الأمير عبدالرحمن البواردي - رحمه الله - واضح الصواب، وهو:

ديرةٍ لي بلاها اليوم برداها

كيف تبرا البلاد وعيبها فيها؟

 

على هامش مؤتمر اللغة العربية
د.عبد الله الصالح العثيمين

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة