ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Sunday 17/06/2012/2012 Issue 14507 14507 الأحد 27 رجب 1433 العدد 

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

وَرّاق الجزيرة

 

مَسَلْةُ تَيْمَاء والمَحَجة... تاريخٌ وثقافة
سعد بن دخيل الدخيل

رجوع

 

إن الوطن الذي نعيش فيه أولى الأماكن بالزيارة والاكتشاف والاطلاع على عمقه التاريخي ونبش ما مرَّ عليه من تحولات تاريخية ودراسة أحواله الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، وإن كنت أردد- ولا أزال - أن التاريخ الاجتماعي والاقتصادي ووصف أحوال المجتمعات التفصيلية أمتع وأجمل وأكبر فائدة من التاريخ السياسي والعسكري الذي لا يخلو من التحيز والموالاة للأقوى والتشويه وعدم العدل في القول، ولقد بينت وجهة نظري في هذه عبر مقالي المنشور في عدد الأحد 11 شعبان 1430هـ رقم: 13457 من جريدة الجزيرة (صفحة وراق الجزيرة) بعنوان (ثرمداء النجدية وجمع الشتات).

إن هذا الوطن الذي نعيش فيه غني بمواقع تحكي لنا تاريخ حضارات بقيت آثارها تروي القصص وتصف الحال والأحوال، كمدائن صالح والأخدود والفاو وطرق الحجاج والكهوف والدرعية والقصور المنتشرة على أرض هذه البلاد، وهذه الآثار ليست لأمة واحدة بل لأمم كثيرة وثقافات متعددة ولغات مختلفة أسهم هذا التنوع في أن جعل البلاد مقصد المهتمين بالتاريخ والباحثين فيه من المستشرقين وغيرهم، بدأها المستشرق الفلندي جوري أوغست فالين أوّل yrgo aukusti wallin الرحالة الفنلندي الذي زار جزيرة العرب عام 1845م وتبعه العديد منهم من الغرب والشرق، وكان من هؤلاء الفرنسي تشارلز هوبر charles huber الذي انتدبته وزارة التعليم الفرنسية لاستكشاف الجزيرة العربية عامة ونجد خاصة، وقد قام برحلتين الأولى اكتشف فيها آثاراً كثيرة أشهرها حجر تيماء (يقال أن المسلة شاهدها لأول مرة الرحالة البريطاني تشارلز دوتي Doughty في عام 1876م الموافق 1294هـ وأشار إليها في كتاباته، وذكر أنه شاهدها ضمن أحجار متساقطة من الجدار الجنوبي لبئر هداج، وعقد الرحالة الفرنسي هوبر Hubar العزم على زيارة تيماء بعدما أن قرأ إشارة تشارلز دوتي، وجاء إليها بالفعل في عام 1880م وانتقل إلى موقع المسلة، لكنه لم يجد وسيلة لنقلها، فعاد إلى أوروبا، والتقى بالرحالة الألماني يوليوس أويتنج وأخبره بأمر المسلة، واتفق الاثنان على العودة لتيماء ونقل المسلة مهما كلفهما ذلك من جهد أو مال) الحجر الذي غير كثيراً مما يعرف عن الجزيرة وتاريخها، وقد نقل لاحقاً لباريس عبر دمشق في سوريا وقد نقش عليها كتابات باللغة الآرامية، ويتحدث هذا النقش عن قيام أحد الكهنة (صن ابن بط أو زير) بإدخال عبادة صنم جديد إلى تيماء وهو (صنم هجم) الذي لم يكن من آلهة تيماء الأصليين بل كان معبوداً آرامياً أو سامياً، وكان ذلك في حوالي (600ق.م). ويشير بعض الباحثين إلى أن (مسلة تيماء) تعود إلى فترة الملك البابلي الأخير (بنونيد) في الفترة ما بين عامي (555-539ق.م)، ويبلغ عدد الأسطر المتبقية من نقش هذه المسلة 23 سطراً. ويتفق العلماء المتخصصون بدراسة تطور الكتابات في النقوش والمخطوطات القديمة أن هذا الحجر -الذي حمل ذلك النقش التاريخي الهام - هو من أثمن النصوص السامية التي عُثر عليها في شبه الجزيرة العربية والبلاد المجاورة لها.

كما زار هوبر ويوليوس أويتنج جبل المحجة يرافقهما خادم اسمه محمود (من بلاد المغرب العربي) برفقة دليلين هما حيلان ونومان، وقد كان ابن رشيد لما التقاه قد حذره منهما ولكن الشوق للمعرفة وجاذبية الاكتشاف وفضول سبر الصحراء الغنية بالآثار جعلته لا يعير تحذيره اهتماماً لكنهما قتلا هوبر وتركت جثته في العراء لأيام قبل نقلها، كما قد أسرا محمود الذي هرب لاحقاً منهما، وكان غرض حيلان ونومان سرقة ما معه من ذهب ونقود كان ينفقها على رحلته ومكتسباتها العلمية والتاريخية.

وصل هوبر ويوليوس أويتنج جبل المحجة (المختلف في سبب تسميته بالمحجة) برفقة محمود والدليلين حيلان ونومان عام 1884م، ورسما جبل المحجة رسماً دقيقاً ونقبا فيه عن كل صغيرة وكبيرة تدل على تاريخه، ونقلا بالرسم أغلب نقوشه، ووثق يوليوس هذه الرحلة من خلال كتابه «رحلة داخل الجزيرة العربية» وقد ترجمه للعربية د. سعيد السعيد وطبعته دارة الملك عبدالعزيز 1419هـ، يقول يوليوس أويتنج في وصفه لتلك الرحلة ووصف جبل المحجة جبل التاريخ والثقافة حين زاره في الأحد 10-2-1884م: «.. ثم اتجهنا إلى جبال محجة التي قيل لنا: إنه كتب عليها بعض النقوش القديمة، وكلما امتد بنا المسير زادت غرابة تلك التفرعات الصخرية. تتكون مجموعة جبال محجة الرملية من خمسة أجزاء: الأول: كتلة صماء ارتفاعها حوالي 30م ذات جوانب رأسية، الثاني: ردهة ارتفاعها بين 20-25م، الثالث: كتلة نصف مستديرة ارتفاعها 10م تقريباً، الرابع: صخرة منفردة صغيرة، الخامس: بهو أعمدة أمامي ارتفاعه حوالي 33م. حين ترجلنا عند الزاوية الجنوبية الشرقية كنت متأثراً غاية التأثر بالمنظر الذي أراه أمامي، وكانت هناك مئات النقوش المحفورة على الجدران الحجرية، من بينها رسوم لمناظر الصيد وحيوانات من جميع الأنواع، ومجموعة من الجياد والإبل التي لم أستطع رسم سوى عدد محدود منها،..، وقد تمكنت في هذا اليوم من نسخ 160 نقشاً معظمها عبارة عن أسماء أعلام، مما يعني أن الجبل كان بمثابة سجل حجري لقبائل البدو التي كانت ترعى هنا منذ آلاف السنين، إضافة إلى مجموعة النقوش المقرؤة يوجد هناك مجموعة أخرى من النقوش المتآكلة والمحطمة..».

نعم جبل المحجة كما رأيته في زياراتي المتكررة ومشاهدتي له، يتكون من عدة جبال وكتل كبيرة من الصخر الرملي ألوانها فاتحة وتكونت الجبال الثلاثة على شكل بوابات نصف دائرية عالية الارتفاع، وعلى الكتل الصخرية العجيبة رسمت رسومات لجمال وخيول جاءت بأحجامها الطبيعية وقد تفوق أحجامها بشكل أكثر من مضاعف، وكذلك تبرز كتابات كثيرة تختفي وراءها قصص وحكايات كتبها ودونها من سكن بالقرب منه أو مرَّ بجانبه مسافراً أو هش على غنمه بعصاه راعياً لماشية حوله، كل هؤلاء يصورون حالهم وحال مجتمعهم وينقلون خصائص حياتهم ويعبرون فيها عن مشاعرهم وينحتون طقوسهم ومناجاتهم لآلتهم، وقد نحت الرحالة هوبر اسمه باللغة الإنجليزية وعام مروره بالإضافة لتوقيع خادمه محمود باللغة العربية، كما أن هناك توقيعاً للرحالة يوليوس أويتنج منحوت على الجبل، ومن أبرز النحوت الموجودة على الجبل نحت لدعاء للملك المؤسس المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن -طيب الله ثراه- جاء هذا الدعاء في ثلاثة أسطر تحت توقيع هوبر وخادمه محمود ونصه: «اللهم أدم إلنا، عز السعود، إنك رحيم ودود، 1342هـ». ويقع جبل المحجة على بعد 255كم من مدينة حائل في الجهة الشمالية الغربية، كنت في تلك الزيارات للجبل برفقة الأستاذ ماجد بن إبراهيم السنيدي المهتم بالآثار والنقوش والمنشآت الحجرية، ويعد مرجعاً مهماً للباحثين والمهتمين. يقول الأستاذ ماجد إن تلك الآثار والنقوش على جبل المحجة تعود للأنباط الذين كانوا في المنطقة سكاناً وحكاماً وكانوا يتكلمون اللغة الآرامية التي هي من لهجات الأنباط التي تأثرت بلهجات عربية شمالية. النقوش التي نراها على جبل المحجة هي حروف بلغتهم ترجمت وأظهرت حضارات قوية كانت في المنطقة هذه والجزيرة العربية بشكل عام.

بلادنا غنية بمقومات السياحة وتحتاج لعمل جبار وجهود مضاعفة لإبراز التراث وتهيئة الأماكن لتكون هدفاً للسياح من الداخل والخارج، وصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار يدرك حجم المخزون التراثي من آثار، ولهذا فهو يبذل ويضحي وفق خطط ومعايير تصب في مصلحة الوطن اقتصادياً وثقافياً، تتواءم مع تطلعات حكومتنا الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله- ذخراً لبلد وشعب يحب قيادته ويذود عن وطنه بالغالي والنفيس.

ثرمداء

sdokhail@gmail.com
 

رجوع

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة