Monday 07/10/2013 Issue 14984 الأثنين 02 ذو الحجة 1434 العدد
07-10-2013

ما هو دور مجلس الشورى؟

هناك مهام وصلاحيات لكل مسؤول ومؤسسة تحدد الدور حسب النظام، لكن هناك مبادرات عديدة لا يتطرق إليها النظام تشكل أدواراً إضافية تتحول إلى نظام جديد. هذه المبادرات يمتزج فيها الكفاءة والجراءة والمهارة مع وضوح الرؤية، وكلها تعتمد على التنظيم والمثابرة..

أذكر أن بوَّاب الكلية في بريطانيا (عندما كنت طالب دكتوراه) كان بمنزلة العميد رغم أن وظيفته كانت نظافة مداخل الكلية وتوزيع البريد الداخلي.. أي فرَّاش بتصنيفنا. كان كل صباح يقف أمام منصة الاستقبال ببدلة أنيقة ووجه بشوش مُرحباً بكل طالب بلغته الأم.. كان يحفظ عشرات التحيات بلغات مختلفة ويعرف جنسية كل طالب.. وكان يكتب على سبورة بالمدخل مقولة اليوم التي غالباً ما تكون حكمة طريفة، أو تهنئة بأحد الأيام الوطنية للطلاب.. كانت مبادراته المرحة تضفي أجواء حبور على الداخلين.. كان يشارك الطلاب همومهم.. يواسي هذا ويشجع ذاك.. ويناقش المسؤولين بمشاكل الطلاب.. فحظي بنفوذ معنوي هائل حتى أنه عندما تقاعد عُمِل له حفل كبير، وبكى بعض الحاضرين عند توديعه!

تذكرت ذلك أثناء حلقة النقاش الأسبوع الماضي بمجلس الشورى حين همس لي أحد الأصدقاء: “المجلس يبحث عن دور!”.. وهي حلقة بادر بها مشكوراً مجلس الشورى بعنوان “واقع الإعلام والاتصال في مجلس الشورى وسبل تطويره من وجهة نظر القيادات الصحفية وكتَّاب الرأي”.. وافتتحها رئيس المجلس الشيخ الدكتور عبدلله بن محمد آل الشيخ.. ثم طرح عضو المجلس الدكتور فايز الشهري لمحة موجزة عن استراتيجية جديدة للاتصال الإعلامي للمجلس، لتبدأ بعدها حلقة النقاش.

إضافة إلى مسألة التعيين والانتخاب (وهو ليس موضوع الحلقة)، فإن أكثر النقاط تكراراً بالحلقة دارت حول دور المجلس: هل هو تشريعي ورقابي أم استشاري؟ بدأ السؤال الكاتب صالح الطريقي.. وتوالت الاستفهامات والأجوبة والاقتراحات.. الأستاذ فهد آل عقران (رئيس تحرير صحيفة المدينة) وضع اقتراحات لتحسين التواصل الإعلامي للمجلس، مثل عقد مؤتمرات صحفية دورية، ودعوة الإعلاميين والكتاب لحضور الجلسات المهمة ولقاءات الوزراء، وتواصل رؤساء اللجان بالمجلس مع الصحفيين والمهتمين.

أما الدكتورة سهيلة زين العابدين فقد أتت بدراسة عن التحديات والتطلعات للمجلس.. وتطرقت لسلبية المبالغة بسرية أعمال المجلس.. ورأت ضرورة أن يكون للمواطنين دور بطرح المشاريع التي تناقش بالمجلس، طارحة مثال مشروع “الحماية من الإيذاء” الذي صار نظاماً أقره مجلس الوزراء بعد إقراره من مجلس الشورى الذي أعدته له إحدى مؤسسات المجتمع (مؤسسة الملك خالد الخيرية). وفي ذات السياق، طرحتُ بدوري أهمية الشفافية مع المجتمع والتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني طارحاً مثال المشروع الأول لنظام “الجمعيات الخيرية والمؤسسات الأهلية” الذي كان سريَّاً وتسرب لبعض الكتَّاب، وكان مليئاً بالثغرات كشفتها مقالات الكتَّاب بالصحف، وأثر ذلك كثيراً في تصويت المجلس حين رُفض بأغلبية ساحقة.

الأستاذ فهد العجلان (نائب رئيس تحرير صحيفة الجزيرة) رأى أن هناك دوراً للمجلس غُفِل عنه كثيراً نتيجة عدم تقديم القضايا التي نوقشت للمجتمع.. مقترحاً أن يقدم المجلس نفسه من خلال مواقفه وتناوله للقضايا الحرجة.. أمام هذا الفشل الإعلامي اقترحت الدكتورة أمل الهزاني إيجاد شركة إعلامية متخصصة للمجلس، ومنبهة بأن أكبر شركة علاقات عامة لا تستطيع أن تلمِّع مؤسسة فاشلة. بينما ذكَّرنا الكاتب عادل الماجد بأن طبيعة الإعلام هو كشف السلبيات وليس التلميع. أما الأستاذ سلمان الدوسري (رئيس تحرير صحيفة الاقتصادية) فقد أوجز بأن الطبيعة الإعلامية للمجلس سلبية لأن هناك قرارات لمجلس الوزراء لا أحد يعلم أن مصدرها مجلس الشورى! ومن هنا اقترح البعض بأن يتواصل المجلس مع الناس بعمل استفتاءات وقياس رأي للقضايا التي تطرح بالمجلس..

لمن لا يعرف دور مجلس الشورى، فالمسألة سهلة بالاطلاع على مواد نظام المجلس.. ومن أهمها أنه يبدي الرأي بالسياسات العامة للدولة، كمناقشة خطة التنمية والتقارير السنوية للوزارات، ودارسة الأنظمة وتفسيرها (مادة 15). إلا أن له دوراً أكبر من الرأي، فالأنظمة والاتفاقات الدولية تصدر بمراسيم ملكية بعد دراستها من مجلس الشورى (مادة 18). كما أن للمجلس اقتراح نظام جديد أو تعديل نظام نافذ، ورفعه للملك (مادة 23). وللمجلس الحق في طلب حضور أي مسؤول حكومي (مادة 22). تلك أدوار تفوق ما يظنه البعض أنه مجرد مجلس استشاري، بل أن له دوراً يوازي في بعض الحالات مجلس الوزارء، فمما جاء بالمادة 17: “إذا تباينت وجهات نظر المجلسين [الشورى والوزراء] يعاد الموضوع إلى مجلس الشورى ليبدي ما يراه بشأنه ويرفعه إلى الملك لاتخاذ ما يراه.” هذه المادة مهمة لتوضح أن الرأي الأخير قبل الرفع للملك هو لمجلس الشورى. ونص هذه المادة بعد تعديله عن النص السابق الذي كان يوازي بين المجلسين، أي أن هناك تزايداً بمهام مجلس الشورى.

وإذا كانت الإجابة المباشرة لأداور المجلس بسيطة فإن الإجابة غير المباشرة تأتي مما يقوم به المجلس واقعياً، إضافة إلى قدرته على ممارسة أدوار ونشاطات أخرى لم يتطرق إليها النظام ولم يمنعها.. لكن تلك لا يمكن معرفتها دون التواصل الإعلامي.. ولعل الأخيرة ستجيب عليها الاستراتيجية الإعلامية الجديدة للمجلس؛ أما طريقة التكتم التقليدية فهي ستجعل الناس لا تعرف ما يقوم به المجلس فضلاً عنه أنه يعزلها عنه، لتغدو عضوية المجلس بنظر كثيرين مسألة تشريفية وليست مسؤولية..

بعد يومين من حلقة النقاش نشرت صحيفة الشرق تحقيقاً عن خطاب وُجِه لمجلس الشورى قبل ثلاثة أسابيع من سيدات أعمال وأكاديميات وحقوقيات يطالب بمناقشة أمور تعانيها المرأة السعودية وتواجهها بمعاملاتها الحياتية.. في نهاية التحقيق سُئل مساعد رئيس مجلس الشورى الدكتور فهاد الحمد (وهو بالمناسبة الذي أدار حلقة النقاش)، وأفاد بعدم معرفته بهذا الخطاب. المشكلة هنا ليست في ضعف تواصل المجلس مع المجتمع بل أيضاً في تجنبه القضايا الحرجة وإيثار السلامة البيروقراطية، فضلاً عن أعضاء المجلس لا يسمح لهم بالتصريح للإعلام..

قلت لصاحبي: مجلس الشورى لا يحتاج البحث عن دور، فله أدوار عظمى كأحد ركائز الدولة، بل يحتاج للتواصل والشفافية مع الإعلام الذي سيوصله للناس.. لكن من يريد السلامة البيروقراطية سيقول لك: “أن النظام لم يمنع ولم يسمح، وأنا لم أسمع!”

alhebib@yahoo.com

 
مقالات أخرى للكاتب