Monday 07/10/2013 Issue 14984 الأثنين 02 ذو الحجة 1434 العدد
07-10-2013

جندي الهيئة ... وشعيرة الاحتساب

من المسلم به أن الفئة النخبوية لها أثرها في خلخلة مفاهيم الرأي العام، وتغيير قناعاته وتوجيهه نسبيا إلى حيث يبتغى، لكن من المتفق عليه أن شعيرة الاحتساب تحظى بتأييد اجتماعي واسع النطاق، مهما كانت هفوات وسلبيات القائمين على تلك الشعيرة .هذا التأييد المنطلق من العواطف تحدوه دوافع دينية، واجتماعية، وأخلاقية، ووطنية صادقة وسليمة،

وهو شعور مقدّر، حتى ولو تعارض السلوك المهني لمنسوبي الجهاز مع منطق العقل والحكمة أحيانا.فالرسالة العظيمة لهذا الجهاز وأعني (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) انطلق من أهداف وغايات سامية، وعلى ضوء هذه الأهداف حظي هذا الجهاز ولا يزال يحظى باهتمام بالغ من ولاة الأمر، كغيره من المؤسسات الدينية التي حملت على عاتقها توجيه الناس وإرشادهم، وحماية أعراضهم وأخلاقهم، ولا أخال من ساندهم وبارك جهودهم بصدق وإخلاص، ونية صادقة إلا شريكا لهم في إحياء هذه الشعيرة والقيام بها، ولا أظن مواطنا إلا ويستطيع أن يمارس هذه الشعيرة، ولو بأدنى مراتب الإنكار، ألا وهو القلب.

* أحيانا بعض المتغيرات السلوكية السريعة في المجتمع تصدم الإنسان، وبالذات المنغلق، وأحيانا تمتد الصدمة إلى الجهاز ذاته، بكل ما يملك من أدوات، ووسائل، ومهام، واختصاصات، وبالتالي من حيث لا يشعر يجد ذلك الإنسان نفسه، أو الجهاز بكامله يخرج بعض الشيء عن أهدافه الرئيسة، ولا يتكيف مع الواقع ويسير معه، ويواكب تطوراته، ويسعى إلى تأهيل منسوبيه لهذا الشأن، و(هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ليس هو الجهاز الوحيد الذي ربما يقع في مثل هذا الأمر، فهناك أجهزة كثيرة بطيئة التطور، لكن بحكم بعدها عن ملامسة الحياة اليومية للمواطن بقيت بعيدة عن عين الرقيب والناقد، وقد نكون بحكم فطرتنا الدينية، وتربيتنا الأخلاقية، وعاداتنا الاجتماعية نتوجه لجهاز ونتعاطف معه دون آخر.

* ربما عايش البعض عمل (رجال الحسبة) في فترة من الفترات، حينما كان يسير بتواضع متأبطا (العصا) في الأسواق، رامزة للوقار، أ ولمآرب أخرى، لم يكن يهتم بمظهره، أويتهندم بالصورة اللافتة التي نراها اليوم، فأين هذا الجيل من أولئك الرعيل؟ .كان منهم وربما لا يزال (إمام المسجد وخطيبه) الذي جعل منه بالفعل مرشدا، وموجها، وناصحا، وأين هذا الجيل من أولئك الرعيل؟ كان منهم، حسب رواية بعضهم من يجوب الممرات والطرق قبيل صلاة الفجر، ويصيح بأعلى صوته، قارعا بعض الأدوات موقظا للصلاة، وأين هذا الجيل من أولئك الرعيل؟ كان منهم من يتفقد جماعة المسجد واحدا واحدا، ويتواصل مع الآباء تجاه تقصير الأبناء بالحكمة والموعظة الحسنة، وأين هذا الجيل من أولئك الرعيل؟ كان منهم المحتسب (لرقية الناس) دون مقابل سوى ابتغاء الأجر والمثوبة، وأين هذا الجيل من أولئك الرعيل؟كان منهم من أخذ على عاتقه تدريس أبناء الحي (في حلقات تحفيظ القرآن الكريم)، وأين هذا الجيل من أولئك الرعيل ؟بلا شك فيهم بقيّة. أقدر أن هذا العمل الكبير الذي كانوا يضطلعون به سابقا وضعت له مؤسسات الدولة بعد أن نضجت ضوابط ولوائح وشروط، وبخاصة حينما لوحظ الانحراف في الممارسات من القلة القليلة منهم، و لا عيب في التنظيم، والدقة في إسناد المهام.

* أعود للعنوان (جندي الهيئة)، وأعني به بعض الأفراد من (القطاع العسكري) الذين استعانت بهم (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وهو بلا شك يصور الدعم الكبير غير المحدود الذي يحظى به الجهاز من الحكومة، مع ذلك لم أفهم وربما قصور مني، ما الهدف من وجودهم؟ قد يفسر بعضهم اصطحاب ذلك الجندي الذي يقبع في مؤخرة (السيارة)، ولا يعلم بعضهم في أي وجهة يسار به؟، أوجوده يسير خلف صاحب الفضيلة في الأسواق بأنه حماية لهم.أليس هذا واردا؟وقد يفهم من ذلك قذف الرعب والخوف في قلوب (العصاة) من ذرية (بني آدم)؟ وقد يكون للاستعانة بهم في قضايا الدهم، أوالمشاجرات، أو الاشتباكات مع الخارجين عن (الآداب العامة) كل هذا وارد ومتداول؟ إذن لا أدري هل وجوده ضرورة اقتضتها تغيير مهام وصلاحيات الجهاز ؟ أم كان ذلك انحرافا بالوظيفة العامة، وتجاوزا في حدود المسؤوليات والصلاحيات؟

*إذا كان وجود هذا (الجندي) ضرورة اقتضتها المهام والمسؤوليات والصلاحيات الممنوحة، فلماذا لا يتم استثمارهم، بإسناد قيادة سيارات الهيئة لهم عند الحاجة لمثل تلك المطاردات إن كانت ضرورة ومشرّعة لهم، فهم يمتلكون من المهارات، بحكم تأهيلهم وتدريبهم أكثر من غيرهم، شريطة أن تحكمهم ضوابط ومرجعيات رسمية، ويتم تزويدهم بالوسائل المعينة على أداء المهمة، ويخضعون للمحاسبة عند الخطأ، وبالتالي سيزول ذلك الانطباع، أو التصور الذي أخذ عن (رجال الحسبة) لكونهم انصرفوا عن الوعظ، والتوجيه، والإرشاد إلى ممارسات الضبط الجنائي.وربما عادت الصورة الإيجابية الحسنة التي ارتسمت عن الكثير عن أصحاب هذا الجهاز.

dr_alawees@hotmail.com

 
مقالات أخرى للكاتب