Wednesday 30/10/2013 Issue 15007 الاربعاء 25 ذو الحجة 1434 العدد

الطلبة العرب في إيطاليا..

مسافر زاده الخيال

روما الجزيرة - سهيلة طيبي:

يطمح كثير من الطلبة العرب لمتابعة دراساتهم العليا في الخارج للحصول على شهادات أجنبية، وذلك بالتوجه إلى أوروبا أو إلى أمريكا، لما لجامعاتهما من سمعة عالمية ومصداقية وتطور في أساليب الدراسة والبحث. على أمل أن يخوّل الحصول على شهادات من تلك الجامعات العثور على عمل جيد أو منصب مرموق، دون عراقيل أو شروط مجحفة في بلد المأتى. وغالبا ما تكون الجامعات الأوروبية الأكثر جذبا لطلاب دول شمال إفريقيا في حين يفضل المشارقة والخليجيون أمريكا أو بريطانيا، وذلك لعامل اللغة الثانية المعتمدة في بلد الأصل.

لكن يصطدم غالبية الطلبة الوافدين بواقع الظروف التي يواجهونها في هذه البلدان، مما يجبرهم أحيانا على أن يسلكوا طرقا أخرى غير ما كانوا يتوقعون. فيقعون في متاهات عدة، لا سيما الطلبة الوافدون في السنوات الأخيرة. فالدول الأوروبية باتت تشهد أزمة خانقة عادة ما تنعكس على هذه الشريحة الهشة خصوصا إذا ما كانت تفتقد إلى سند مادي من البلد الأصل. وقد أخذنا في هذا السياق كعينة طلابا عربا أتوا للدراسة في إيطاليا وحاولنا مقاربة تجاربهم واكتشاف حقيقة أوضاعهم في كنف هذا البلد الذي بات يئن تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الحادة.

الطالب الفلسطيني «باسم» التي حط به قطار الهجرة من أجل الدراسة في مدينة بيرودجا في معهد الهندسة الإلكترونية خلال العام 2008، وفد «باسم» من قطاع غزة. روى لنا قائلا: أتيت إلى هنا لغرض إتمام دراستي، غير أني واجهتني مصاعب جمة، لم أتمكن من الاستمرار في مزاولة التعليم في معهد الهندسة سوى فترة قصيرة. فقد أصبحت تكاليف الرسومات الواجب دفعها للجامعة غالية جدا، خصوصا أن مجيئي صادف بداية الأزمة الاقتصادية في أورربا واستفحالها في إيطاليا بوجه التحديد. ويضيف قائلاً: لقد تكرمت جمعية خيرية علي وساعدتني بمنحة بسيطة في إيطاليا، حتى لا أضطر للارتماء في الشارع والهلاك جوعا.

ويذكر «باسم» أن المنحة المقدّمة إليه لا تكفيه لسد حاجاته، فهو مضطر للعمل، ويقول: كان علي أن أعمل في مطعم مساءً. لكن ما راعني إلا أن صاحب المطعم اضطر إلى فصل العديد من العاملين بسبب الأزمة ووضعني بين خيارين: العمل طوال اليوم بأجرة زهيدة أو ترك الشغل، ما جعلني أضطر إلى الخيار الأول حتى أحافظ على وجودي، على أمل العودة للدراسة، ولكني مع كل يوم أشعر بابتعادي أكثر عن الهدف الذي جئت من أجله.

وفي السياق نفسه حدثنا الطالب «كاظم» العراقي الذي يبلغ من العمر 61 سنة. هروبا من أوضاع الدكتاتورية التي عاشتها العراق سابقا -وعلى حد قوله- كان قد درس في الجامعة في بغداد وتخصص في أمراض العيون إلا أنه لم يواصل دراسته في بلده، جاء إلى جامعة لاسابيينزا في روما، باعتبارها الجامعة الأشهر في إيطاليا، وطلب اللجوء، لكن اللجوء حينها لم يخول له العمل فوقع في ضائقة مالية قاهرة جعلته يعاني التشرد والبؤس، مع ذلك استطاع أن يسجل في الجامعة لأنه كان يحظى بمجانية التسجيل. ويذكر أنه أصبح يلقب بـ»شيخ الطلاب» بين الطلبة العرب نظرا لتقدم العمر به. أضاف في حديثه معنا: لهذه اللحظة لم أتخط القسم الثاني في تخصصي، نظرا للدراسة المتقطعة والمبعثرة. ومما زاد من تعكير الظروف أن الحكومة الإيطالية، في ظل الأزمة، قامت بترفيع الرسومات الجامعية وإلغاء كافة التسهيلات التي يتمتع بها الطلبة الأجانب في السابق. ويواصل حديثه قائلا: قبل أن أدفع المال لإتمام دراستي علي أن أقوم بعلاج أسناني التي تساقطت الواحدة تلوى الأخرى حتى صرت أدرد، فكثيرا ما أتحاشى الحديث مع الناس بسبب هذه المشكلة. ويضيف مازحاً أتمنى التعرف على طبيبة أسنان إيطالية أتزوجها لإصلاح ما أفسده الدهر.

وأخبرنا «رابح» من منطقة الحرّاش في الجزائر العاصمة، أنه كان طالبا في الجامعة في بلده يدرس الطب أيضا، شجعته عائلته لمواصلة الدراسة في إيطاليا. أعانه والده من الجزائر ودفع له تكاليف الدراسة والإقامة لمدة سنتين، إلا أنه وحسب ما يذكر لم يتحمل أعباء الدراسة التي أصبحت باهضة فتوقفت معونته، وكما يروي لنا لم يجد شغلا، معللا الأمر أن العمل من الصعب أن يجده الإيطالي ابن البلد فما بالك بغريب قادم من وراء البحار. وبعد جهد جهيد استطاع أن يبدع شغلا وذلك بصناعة «التشيراك» و»قلب اللوز» و»الزلابية» و»الدزيرية» و»صباع لعروسة»، وهي حلويات جزائرية تقليدية ويدوية الصنع، لبيعها أمام الجامع الكبير وفي الأماكن التي يرتادها العرب في روما. ويقول فقد كانت أمنيتي وأمنية العائلة أن أمتهن مهنة الطب وأفتح عيادة في البلد، فتحولت من طبيب مؤجل إلى محترف في صناعة الحلويات، وتلك عجائب الغربة.

وصرح لنا «مراد» القادم من تونس بعد ثورة 14 يناير 2011 وهو كهل في منتصف العقد الخامس: كنت أعمل ساعيا للبريد في مدينة سوسة السياحية، وفي الوقت نفسه أعدّ الماجستير، علماً أن شغلي كان دائما، لكن رغبتي الجارفة في إتمام الدراسة في الخارج أدت بي إلى اختيار جامعة روما للدراسات الشرقية بعد أن فرّطت في عملي وتركت الدراسة في تونس. فقد غرني بعض المال الذي ادخرته طوال السنوات الماضية، جئت على أمل أن أبني حياتي، لكن قدومي إلى هنا حطّم كل ما كنت أصبو إليه، «فقد ذهب الجمل بما حمل» واضطررت للعمل مرافقا للمعاقين لدى عجوز إيطالي مسنّ مصاب بالشلل. ثقل مصاريف الدراسة وصعوبة الحصول على مسكن دفعاني للقبول بهذا العمل. فأنا أسكن معه في غرفة، ومن حسن حظي أنه قام بتسجيلي كخادم مقيم في بيته ليسهل علي تجديد إذن الإقامة السنوي. ويذكر «مراد» أنه يقوم بالاهتمام بهذا المسن طيلة أيام الأسبوع تقريبا، وليس له يوم عطلة أسبوعية بما أنه يسكن مع مشغّله. يقول: وقد ارتبط بي مشغّلي إلى أقصى حد، وبات يهددني بتقديم شكوى لدى الشرطة إن حاولت مغادرة بيته وعدم الإيفاء بشروط عقد العمل الذي يربطني به. أضف إلى ذلك يقول: بتّ مجبرا على أخذه معي إلى الكلية التي أدرس فيها حيث أتركه في المقهى المجاور لمبنى الكلية وأحيانا، آتي به على الكرسي المتحرك داخل الكلية، ليتثبت إن كنت فعلا أدرس أو لا أدرس.

وأخبرنا «محمد» من تونس أيضا أنه كان أستاذ لغة فرنسية بإحدى ثانويات العاصمة، قدم إلى إيطاليا مند سنتين تقريباً بغرض إتمام دراسته في معهد اللغات الأجنبية بجامعة لاسابيينسا. يقول أقضي معظم أوقاتي في المكتبة الوطنية في روما وأحاول من حين لآخر تلصيق إعلانات على أمل أن أجد عملا كمدرس دروس خصوصية للغة الفرنسية للطلاب. اضطررت أخيرا للتوقف عن الدراسة، فهذه السنة لم أتمكن من التسجيل في الجامعة بسبب قلة المال والعمل المتقطع. وأخبرنا «الأستاذ» أنه يعاني من مشاكل عديدة منها ما يتعلق بالمأكل والملبس والمسكن، وهو ما زاد من انطوائه على نفسه وانعزاله عن الناس.

وروت لنا طالبات جزائريات من جامعة الأجانب في بيرودجا، قدمن إلى إيطاليا بقصد تعلم الإيطالية. شرحن لنا معاناتهن اليومية في سعيهن لإتمام دراساتهن. فالمنحة التي تحصلن عليها من المركز الثقافي الإيطالي في الجزائر العاصمة لا تكفي لسد نفقاتهن وتغطية العديد من الحاجات بصورة يومية. وعلى حد قول «جميلة» تبلغ المنحة الشهرية أربعمائة يورو وهي تتوزع ما بين المسكن والمأكل والمواصلات وتكلفة الهاتف والأنترنيت وغير ذلك، داعية «جميلة»: نسأل الله العودة إلى بلدنا مستورات قبل أن تنزلق ساقنا إلى ما لا يحمد عقباه.

وتضيف الطالبة «حسنة» مؤكدة ما قالته رفيقتها «جميلة»: غالبا ما نقوم بالاشتراك في كل شيء، بغية التخفيف من ثقل النفقات، حيث ندرك تمام الإدراك أن هذا البلد يتخبط في أزمة اقتصادية جعلت أغلب الطلاب الأجانب وحتى الإيطاليين يقصدون دولاً أخرى، منها أمريكا أو شمال أوروبا، ويحلمون بالذهاب للخليج العربي وخصوصا منه دبي مدينة الأحلام.

وتصرّح الطالبة «فاطمة» من المغرب: أنا أقلّص من المصاريف بترددي اليومي للأكل في مطعم الكنيسة الخيري، أجلس مع الفقراء الذين يأتون للغرض نفسه. لكني في رمضان أتوجه إلى الجامع للإفطار هناك، حيث هناك إفطار جماعي مجاني للمعوزين، وتضيف أن كل هذا في سبيل العلم.

في ما أخبرتنا المدرّسة «ليلى» التي تعمل في مؤسسة ثقافية إيطالية في الجزائر العاصمة، والتي تأتي كل أربع سنوات للقيام بدورة تدريبية في اللغة الإيطالية بجامعة سيينا. أنها لاحظت فرقا جليا بين السنوات الماضية وهذه السنة، بسبب تفاقم الأزمة في إيطاليا، فقد أصبحت الحياة غالية جدا لا تطاق، ناهيك عن أن الطالب العربي القادم بمنحة دراسية ليس بمقدوره الدراسة بأريحية ويجد نفسه مجبرا ليعول على نفسه، مع أن فرص العمل ضئيلة.

بالفعل قلة من الطلبة العرب من يأتون إلى إيطاليا وينهون مشوارهم الدراسي. فالكثير منهم يجد نفسه مكرها على ولوج باب الشغل، هذا إن لم ينحدر إلى سوق المخدرات وما أيسر دخوله في إيطاليا. فهذا البلد الذي يأوي داخل سجونه سبعين ألف سجين، بحسب آخر الإحصائيات الجارية خلال العام الجاري، نجد ثلثهم من الأجانب.