Monday 17/02/2014 Issue 15117 الأثنين 17 ربيع الثاني 1435 العدد
17-02-2014

في المقابر.... أزمة سكن

- حتى في مدافن الموتى يوجد أزمة سكن! تقارير إخبارية عديدة، ومشاهد تدعم الحقيقة،حيث قدرت بعض مراكز الإحصاء والاستطلاع أن هناك ما يقارب (1.5) مليون ونصف المليون من المصريين يسكنون داخل المقابر. هذه الظاهرة ليس لها ذلك الامتداد التاريخي العريق، ولم ترتبط بأي لون من ألوان المعتقدات عندهم، حيث بدأ استيطان المقابر في منتصف القرن (التاسع عشر للميلاد)نتيجة أزمات، وأحداث جليلة مرّت بها (مصر).

- بصرف النظر عن العامل الاقتصادي في نشؤ تلك الظاهرة، حيث إن هناك عوامل اجتماعية أخرى، قد لا يكون من المناسب ذكرها أدت إلى نبذ هذه الفئات من المجتمع، ومحاولة التواري عن الأنظار في هذه المطارح،! السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا آثرت بعض الفئات سكنى المقابر على غيرها، رغم فساحة الأرض؟ وكيف تآلفوا مع عالم الأموات ؟كيف تسير وقائع الحياة اليومية للسكان، معتقدات، وتقاليد، وعادات توارثها سكان المقابر وأصلوها فيما بينهم، وانطلت حتى كثير من السكان خارج هذه البيئات،حين يأّمّون المقابر لدفن موتاهم، أو زيارتهم، انطلاقا من السنة المحمدية، أو من يزور تلك الأماكن سائحا،مستكشفا، مستطلعا سلوك بعض البشر.

- تفاجأ، حين الزيارة بأن أولئك السكان لديهم قناعات تامة أنهم قائمون على خدمة الموتى، لديهم القناعة المطلقة كذلك بأفضلية من يتخذ هذه المقار سكناً، ومأوى، وممارسة تجارة. بيع، شراء، استثمار، بكل أشكاله بين مجامع الأموات !سكان المقابر لديهم شعور عام بتساويهم في الحقوق، لا فرق بين غني ـ إن وجدـ أو فقير، أو ذكر،أو أنثى.على أرض المقابر تتلاشى كل النعرات، يستمدون ذلك الشعور مما هو عليه واقع الميت، وهو رهين قبره، وأمام خالقه.عند مناقشة بعضهم تواجه بعض الإشكالات، أو محاولة التهرب من الإجابة، بل الطريف أن بعضهم يتخذ من الفلسفة الشعرية عن (أبي العلاء المعري) مسوغا للسكن، حيث إن هذا حال الجميع، في المقابر، وفي خارج المقابر، علم ذلك من علم، وجهل ذلك من جهل:

سر إن استطعت في الهواء رويدا

لا اختيالا فوق رفات العباد

فقبيح بنا وإن تقادم العهد

هوان الآباء والأجداد

ربّ قبر قد صار قبراً مراراً

ضاحكاً من تزاحم الأضداد

من المؤكد أن هناك ممارسات وسلوكيات منبوذة في أماكن لها حرمتها عن المسلمين، بل ومخالفة لما جاء به الهدي النبوي، ومما لا شك فيه جهل هذه الفئات بما ورد في نصوص السنة النبوية.

- رغم توافر الأراضي، الصالحة للسكن يبدو أن أزمة السكن أمست مشكلة عالمية حتى عند بعض الدول ذات الإمكانات والموارد المالية القوية، والكثير من الحكومات استشعرت المشكلة منذ وقت مبكر، واتخذت من الخطوات والتدابير والإجراءات ما هو كفيل بتوفير السكن المناسب لمواطنيها، والحد من تنامي المشكلة وتفاقمها إلى درجة قد لا تستطيع بعض الدول، أو الحكومات حلها، ومجابهة آثارها.

(حنانيك بعض الشر أهون من بعض)

- قبل أيام طالعتنا إحدى الصحف المحلية خبرا مفاده قيام لجنة التعديات في إحدى المناطق بإزالة تعدي مواطن على إحدى المقابر، حيث اتخذ جزءا منها للاستثمار، للتأجير على مزاولي بعض المهن، وطبيعي أن بعض المهن يتطلب سكن المزاولين لها، والسؤال العريض لماذا لجأ هذا المواطن للاستثمار في مقابر الموتى ؟ بالتأكيد، في المقابر، لا قيود، ولا شروط، ولا تراخيص،ولا رسوم،لا منافسات،لا مناقصات؟ لكن هل هذه هي المبررات لإقدامه على هذه الخطوة؟ وهل هذه المقبرة الوحيدة،أو المرفق الحكومي الذي تم الاعتداء عليه، أخشى أن يكون هناك بعض الأراضي الموقوفة، أ والمخصصة، كمساجد، أو مصليات للأعياد، امتدت إليها بعض الأيدي، والأيام حبلى بالمفاجآت.

- مما يتصل بهذا الموضوع، والشح بالأراضي القريبة من المدن ما يشاهد في مثل هذه الأيام، حيث يخرج المواطن مع أسرته للتنزه ساعات محدودة، لكنه يضطر للأسف لقطع مسافات طويلة،متعرضا للأخطار حتى يجد مكانا يستريح فيه بعض الوقت، والسؤال، أين العيون الساهرة على أراضي البور؟

- هناك مشاهدات قليلة في هذا السياق، تطالعنا بها بعض الصحف عمن يتخذ الحدائق سكنا له، أو بعض الأكواخ، أو استيطان بعض الأماكن غير اللائقة كمأوى له ولأطفاله، لكنها حالات نادرة، تقع في كل زمان ومكان، وقد لا يخلو بعضها من المبالغة، أو تشويه صورة الوطن بمنجزاته العظيمة.

dr_alawees@hotmail.com

dr.alawees.m@gmail.com

مقالات أخرى للكاتب