Friday 14/03/2014 Issue 15142 الجمعة 13 جمادى الأول 1435 العدد
14-03-2014

المطامح والمطامع

نهاية الأندلس معروفة لدى أغلب القارئين للتاريخ والأدب، والعبر منها متعددة، ولكن ما يمكن الإشارة إليه في هذا المقال، ليس ما آل اليه الحال، وإنما استغلال الملكين القشتاليين فرناندو وايزابلا لذلك التنافس والتنافر بين الأخوة وأبناء العمومة من بني نصر في غرناطة المسلمة، ودعونا نبحر في قصة النهاية .

لقد حارب أبو الحسن النصري القشتاليين، وهو حاكم غرناطة قبل أبي عبدالله الصغير آخر ملوكهم، ثم ما لبث أن رضخ لشروطهم، وقدم يد الطاعة، وقبع غارقا في ملذاته، وكان أبوالحسن قد تزوج بابنة عمه الأيسر واسمها عائشة التي أصبحت فيما بعد والدة أبي عبدالله آخر ملوك المسلمين في الأندلس.

فقد عاشت مع زوجها وأنجبت منه ولدين هما: أبو عبدالله محمد وأبو الحجاج يوسف وكانت محبوبة لدى أبي الحسن، ولكن أبا الحسن استهوته فتاة اسمها «ثريا الرومية» بنت لأحد أكابر القشتاليين أخذت سبية واعتنقت الإسلام، وكانت فائقة الحسن والجمال، والروعة والبهاء، فسلم لها أبو الحسن مقاليد قلبة وبعد أن أحبها تزوجها، فكانت الآمرة الناهية في القصر، وأنجبت من أبي الحسن ولدين هما، سعد ونصر، وحاولت بكل وسيلة إبعاد أبي عبدالله وتولية أحد أبنائها، وواصلت السعي لدى أبي الحسن حتى استطاعت أن تزج بعائشة الحرة وابنيها في مقصورة داخل السجن وتولي ابنها ولاية العهد، وأن يخلو لها الجو، وانقسم أصحاب النفوذ حول هذا التصرف الأرعن من حاكم غرناطة، فمنهم من جاهر برفضه سجن الحرة مع ولديها، ومنهم من والى الحاكم وانحاز تحت ظله، غير أن تلك الأم العظيمة الشجاعة لم تهن ولم تستسلم، فقد عقدت العزم على الهرب والنضال، لاسترداد ما تراه حقها وحق ابنها، فأخذت بقماش الفراش وربطته على هيئة حبل أنزلت أحد أبنائها بواسطته إلى الأسفل، ثم أنزلت ابنها الآخر، كما أنها نزلت بواسطته بعد أن ربطته في أحد الأعمدة لديها، وكانت قد أعدت فرسين لنقلهما خارج المدينة تحت جنح الليل، فتم لها ما أرادت وتحررت من المعتقل، وسارت مع ولديها إلى وادي آشى وأعلنت الدعوة لابنها أبي عبدالله محمد، وكان أبو الحسن في إحدى غزواته وبعد عودته وجد أن أمر غرناطة قد تغير، فقد مال الناس إلى أبي عبدالله محمد لما لحق به من ظلم بسب عشق هذا الشيخ لهذه الفتاة الجميلة «ثريا الرومية» وتركه لابنة عمه عائشة الحرة.

فر أبو الحسن إلى مالقة حيث يوجد أخوه محمد بن سعد المعروف «بالزغل»، والزغل في العامية الأندلسية تعني البطل، وتربع أبو عبدالله محمد على كرسي الحكم بغرناطة، بينما بقي أبوه واليا على مالقة بصحبة أخية محمد الزغل، وكان عمر أبي عبدالله آنذاك خمسة وعشرين عاما.

وقد حاول القشتاليون غزو مالقة فحاصروها، لكن «الزغل» استطاع ردهم في معركة تسمى «الشرقية» أما أبو عبدالله فقد حاول محاكاة عمه فعزم أن يخوض معركة مع القشتاليين، فسار إلى قرطبة محاربا فتم القبض عليه، ففرح به ملك قشتالة فأكرمه أيما إكرام وأبقاه لديه، ثم أطلق سراحه لسبب لم أجد له جوابا، وأبو عبدالله ضعيف الهمة واهن، وربما أن ملك قشتالة وجد في صفاته ما يأمل من ورائها عودته إلى عرشه، ومن ثم سهولة الانقضاض عليه وهو ما تم، ربما يكون ذلك ! لاسيما أن إطلاق سراحه لم يتم دون عهود ومواثيق تضمن في نهاية الأمر مد يد طاعته لفرناندو.

بعد فك أسر أبي عبدالله محمد، رام أخذ الحكم من عمه « الزغل» فنشبت الحرب بينهما، فاستغل ملك قشتالة هذا الوضع، فسار واستولى على الكثير من الحصون والقلاع، وقد ظل «الزغل» يصارع بقوة وبسالة في مالقه ضد القشتاليين دون خضوع أو جنوح، بينما كان أبو عبدالله محمد ضعيفا يرضخ للضغوط القشتالية.

وفجأة نجد تغيرا في موقف «الزغل»، فبعد أن أدرك الاستمرار في المقاومة مستحيل سار إلى ملك قشتالة وأبدى له طاعته وخضوعه، وبقي في مالقه تحت طاعة ملك قشتالة وشروطه، أما أبو عبدالله فقد أظلمت الدنيا في وجهه ورأى أن النهاية قد أزفت وأن الفردوس الأندلسي في طريقه إلى النزول عن آخر حبة رمل من كبريائه، فانقلب ضعف أبي عبدالله محمد إلى قوة بخلاف عمه، واستبسل في الدفاع عن غرناطة بعد أن أحاط بها ملك قشتالة، وتم الحصار وانتهى بالاستسلام في عام 896 هجرية بعد أن حاول الاستنجاد ببني الوطاس وكانوا غير جديرين بالنجدة، وراسل حكام مصر فأعيتهم المشقة، وهكذا انتهى الفصل الأخير من مأساة الأندلس بقول عائشة الحرة والدة أبي عبدالله لابنها:(الخفيف)

ابك مثل النساء ملكا مضاعا

لم تحافظ عليه مثل الرجال

لا مزيد على هذه القصة من معرفه انتهازية الأعداء عندما ينشب الخلاف بين الأقرباء.

مقالات أخرى للكاتب