Friday 11/04/2014 Issue 15170 الجمعة 11 جمادى الآخرة 1435 العدد
11-04-2014

تابع شواهد ابن زيدون

نتابع شواهد الوزير الأندلسي والشاعر والناثر ابن زيدون، وهو في هذا القسم من رسالته الجدية، التي أرسلها لحاكم قرطبة، يذكر فيها قصائده التي أنشأها في مدحه، وكذا فضائل ابن جهور حاكم قرطبة عليه فيقول:

ألست الموالي فيك غر قصائدي ...

هي الأنجم اقتادت مع الليل انجما

ثناء يظل الروض منه منوراً ...

ضحى ويخال الوشى فيه منمنما

يا له من شعر جميل، فأي ثناء بعد هذا الذي يصفه بان الروض يظل منوراً ضحى، وكما نعلم أن شمس الضحى ساطعة البياض، تختفي مع شروقها الأضواء، ثم يقول نثراً بعد أن أبدع شعراً:

«وهل لبس الصباح إلا برداً طرزته بفضائلك، وتقلدت الجوزاء إلا عقداً فصلته بمآثرك، واستملى الربيع إلا ثناء ملأته بمحاسنك، وبث المسك إلا حديثاً أذعته في محامدك؟ ما يوم «حليمة» بسر وإن كنت لم أكسك سليباً، ولا حليتك عُطلاً، ولا وسمتك غفلاً، بل وجدت آجراً وجصاً فبنيت، ومكان القول ذا سعة فقلت: حاشا لك أن أعد من العاملة الناصبة، وأكون كالذبالة المنوبة تُضي للناس وهي تحترق، فلك المثل الأعلى، وهو بك وبي فيك أولى. ولعمري لأن صريح الرأي أن أتحول إذا بلغتني الشمس، ونبا بي المنزل، وأصفح عن المطامع التي تقطع أعناق الرجال، فلا أستوطن العجز، ولا أطمئن إلى الغرور، ومن الأمثال المضروبة: خامري أم عامر، وإني مع المعرفة أن الجلاء سباء، والنُقلة مُثلة».

ويواصل ابن زيدون في شواهده الشعرية، ويذكر أن من يغترب عن قومه لا يرى إلا الظلم، ودفن صالحاته، وإبراز سيئاته. ولا أظن الأمر كذلك، فقد غادر فيما بعد قرطبة، ولجأ إلى أشبيلية في أحضان المعتضد بن عباد الحاكم الجبار الذي في كل يوم له صريع، فنال رضاه وأصبح ذا الوزارتين عند لقياه، وقلده أمره، وابنه من بعده، فما كانت الغربة يوماً ضرباً من المهانة، بل إن كثيراً من الناس نالوا من غربتهم الشيء الكثير، فكم عندنا وعند غيرنا من الدول من حل غريباً فعاش عيشة راغدة، وآمالاً واعدة.

يقول في ذلك:

ومن يغترب عن قومه لم يزل يرى..

مصارع مظلوم، ومَجْراً ومسْحباً

وتدفن منه الصالحات وإن يُسئ..

يكن ما أساء النار في راس كبكبا

ويعود ابن زيدون ليذكر أن الوطن محبوب والمنشأ مألوف، واللبيب يحن إلى وطنه، حنين النجيب الى عطنه، فالكريم لا يحفو أرضاً فيها قوابله، ولا ينسى بلداً فيها مراضعه، ويقول:

أحب بلاد الله ما بين منعج ...

إلي وسلمى أن يصوب سحابها

بلاد بها حل الشباب تمائمي...

وأول أرض مس جلدي ترابها

وابن زيدون يستمر في حديثة لابن جهور عبر رسالته الجدية، بنثر ناصع، وشعر رائع، فيقول مخاطباً أياه:

هذا إلى مُغالاتي لفقد جِوارك، ومُنافستي بلَحظةٍ مِن قُربك، واعتقادي أن الطمع في غيرك طَبَع، والغني من سواء عناءٌ ،والبَذل منك أعور، والعِوَض لقاء، فيقول:

وإذا نظرت إلى أميري زادني... ضنا به نظري إلى الأمراء

ويردف لائماً:

فما هذه البراءة ممن يتولاك، والميل عمن لا يميل عنك، وهلا كان هواك فيمن هواه فيك، ورضاك لمن رضاه لك.

ثم يعود لينشد بيتي شعر من قصيدة له مشهوره فيقول:

يا من يعز علينا أن نفارقهم ...

وجداننا كل شيء بعدكم عدم

ولقد استشهد بهذا البيت المعتمد بن عباد في رسالته لابن تاشفين، فلم يدرك ابن تاشفين المعنى، فكان مجال تندر الأندلسيين الذين ينظرون نظرة تعال على المرابطين.

واستطرد قائلاً في كلام رائع قل نظيره، وندر مثيله، وحسن ترداده، وطاب انقياده فيقول:

أعيذك ونفسي من أن أَشيم خلَّبا، وأَستمطر جَهاماً، وأكدِم في غير مَكدَم، وأشكو شَكوَى الجَريح إلى العِقبان والرخَم؛ فما أبسستُ لكَ إلا لتدر وحركتُ لك الحِوار إلا لتحن، ونبهتُك إلا لأنام ، وما سريتُ إليكَ إلا لأحمدَ السُّرى لديك. وإنكَ إن سنيتَ عَقد أمرٍ تيسر، ومتى أعذَرتَ في فَكِّ أسرِي لم يتعذر، وعِلمُك محيطٌ بأن المعروفَ ثَمَرة النِّعمةَ، والشفاعة زَكاةُ المروءة، وفضلَ الجاهِ -تَعودُ به - صَدَقة.

وإذا امرُؤٌ أهَدى إليكَ صَنِيعةً .....مِن جاهِه فكأنها مِن مالِهِ.

أليس هذا قول رائق، وشعر ونثر فائق، فيه أبهى صورة، عن الخلل مقصورة، زادت معانيه صفاء، وأضافت له رونق وبهاء، والبسته أجمل حلة، دون شوارد مُخلّة.

فأين لنا بابن زيدون آخر نحتاجه في شعره ونثره، ولا نرضى بمثله في مكره، وبالله المستعان والعالم بما يخفيه كل إنسان.

مقالات أخرى للكاتب