Friday 18/04/2014 Issue 15177 الجمعة 18 جمادى الآخرة 1435 العدد
18-04-2014

التحدي والاستجابة نظريةُ فلسفة .. لصعود وسقوط الحضارات

إننا نحاول أن نكتشف هذا الكون، نحاول أن نعرف مكاننا فيه.. ونمضي في محاولاتنا بلا توقف، على الرغم من إدراكنا بأن كل ما نبذله لن يقودَنا إلى أكثر من بصيصٍ خافتٍ من الضوء..غير أن ذلك لا يمنعنا إلى مزيدٍ من النور. هذه العبارات لمؤرخٍ وفيلسوفٍ وعاشقٍ لدراسة تاريخِ الحضارات وصاحب النظرية الشهيرة (التحدي والاستجابة) المستلهمة من علم النفس السلوكي حسب اعترافه..

إنه الفيلسوف البريطاني أرنولد توينبي الذي يرى أن الدافع الرئيس في نشأة ونمو الحضارات هي الطاقة الكامنة لدى الفرد والمجتمع لتحقيق الذات، وبعبارة أخرى إن مقياس النمو هو التقدم في سبيل تحقيق الذات، وذلك لن يكون إلا عن طريق المبدعين من الأفراد أو بواسطة أولئك القادة الملهمين الذين قد تستجيب لهم الأكثرية عن طريق المحاكاة.

أرنولد توينبي.. هذا الفيلسوف الذي عشق التاريخ ولا شيء غير التاريخ تربى في حضن التاريخ.. فأمه المؤرخة والعاشقة لحقائق التاريخ الثابتة التي هي بمثابة رصيد أساسي للمؤرخ في صناعته، أرضعته جذور التاريخ البريطاني فكانت تلك الحقائق بالنسبة له مفتاحاً لأبواب أخفت وراءها أسرار الطبيعة والكثير من معاني هذا الكون الغامض.. فإذا كانت هذه هي الإرهاصات الأولى في تكوينه المعرفي للتاريخ، فإن المكونات الثقافية التي عملت على التأثير في صياغة فكره ومنهجه الفلسفي في موضوع دراسته للحضارات بأطوارها المختلفة، يعود إلى تأثره وإعجابه بتيارات فكرية مختلفة لعدد من الفلاسفة والمؤرخين للحضارات القديمة.. وعلى وجه الخصوص الحضارة الإسلامية، ولعل أبرز وأهم الشخصيات التي تأثر بها توينبي هي شخصية (عبد الرحمن بن خلدون) بوصفه أحد المفكرين الذين قدموا نظرية مهمة في فلسفة التاريخ، من خلال مقدمته التي وضع فيها أعظم عمل أبدعه عقل بشري.. ومن يقرأ كتاب (دراسة التاريخ) لتوينبي يلحظ كم هي تلك الصفحات التي ملئت بعبارات الإعجاب بابن خلدون.. ولأن توينبي هو من تبنى نظرية التحدي والاستجابة في صعود وسقوط الحضارات، وهو من أكثر الدارسين والمؤرخين للتاريخ.. ولأنه أسهم إسهاماً كبيراً في دراسة انهيار الحضارات متأثراً بآراء وأفكار ابن خلدون فقد كتب عنه قائلاً: إن المجال الذي اختاره ابن خلدون بجهوده العقلية والفكرية.. كان سابقاً فيه فلم يطرقه أحد من أسلافه.. ولم يكن له منافسون من معاصريه وتعتبر مقدمته في فلسفة التاريخ أروع إنجاز من نوعه أبدعه عقل في أي زمان أو مكان.

يفسر توينبي نشأة الحضارات وسقوطها من خلال نظريته التحدي والاستجابة.. وخلاصة هذه النظرية أن حركة التاريخ تمر بسلسلة من التحديات والاستجابات.. وما هذه التحديات إلا ظروف طبيعية قاسية أو ضغوط بشرية خارجية.. كما أن الحروب وما تخلفه من خراب ودمار تعتبر سبباً جوهرياً لا يمكن إغفاله، بمعنى أن نمو أي حضارة من الحضارات أمر مرهون بمدى استجابة الشعوب للتحديات التي تواجههم.. وبناء على ذلك يكون التحدي هو نقطة البدء في عملية التحول الحضاري، فعندما ينتقل التحدي الخارجي المبني على جغرافية الأرض وما تحويه ويحيط بها إلى انفعال داخلي يحدث الإحساس بالمشكلة، عندها إما أن ينجح الإنسان في مواجهة التحدي أو يفشل، وهكذا ظل تاريخ الحضارات ما بين تحدٍ واستجابة.. وما بين صعود وسقوط واستمر حال الحضارات القديمة على هذا النسق.. تشيخ حضارة ثم تسقط وتنتهي.. تضمحل حضارة ثم تنمو وتزدهر، كل ذلك مرهون بمدى الاستجابة للتحديات التي صاغ منها توينبي نظريته الفلسفية حول صعود وسقوط الحضارات التاريخية.

zakia-hj1@hotmail.com

Twitter @2zakia

مقالات أخرى للكاتب