Monday 28/04/2014 Issue 15187 الأثنين 28 جمادى الآخرة 1435 العدد
28-04-2014

شيء من مسيرة جائزة الملك فيصل العالمية -3-

في المقالتين السابقتين، الأسبوع الماضي والأسبوع الذي سبقه، كان الحديث عن ثلاث فائزات بالجائزة في مجال الطب. وكان في حياة كُلِّ واحدة منهن ما فيها من عبر ودروس. وفي المقالة، هذا اليوم، حديث عن فائزة في مجال الدراسات الإسلامية.

وفي حياة هذه الفائزة، كما في منحها الجائزة، ما هو جدير بالتأمُّل. ومن أبرز ذلك إيضاح أن الجائزة في الدراسات الإسلامية ليست محصورة في مجال واحد كما قد يظن بعض الناس. بل إنها تشتمل على عِدَّة موضوعات فقد تكون عن الدين؛ عقيدة أو شريعة، وقد تكون عن الحضارة الإسلامية أو التاريخ الإسلامي بفروعه المُتَعدِّدة. وقد يكون العمل المرشح للفوز تأليفاً كما يكون تحقيقاً.

كان موضوع الجائزة، عام1425ه/2005م، «الدراسات التي تناولت دفاع المسلمين عن ديارهم في القرنين الخامس والسادس الهجريين.» وقد فاز بالجائزة كتاب جليل ترجمة عنوانه: «الحروب الصليبية؛ رؤى إسلامية»، للعالمة البروفيسورة كارول هيلينبراند، البريطانية الجنسية. وبذلك وضح أن الجائزة في الدراسات الإسلامية، في ذلك العام، كانت عن موضوع تاريخي. وأوضح منحها لبريطانية غير مسلمة أن الجائزة تُمنح للعمل المُرشَّح بغض النظر عن انتماء الذي قام به أو ديانته.

وتاريخ البروفيسورة هيلينبراند حافل بالعطاء العلمي الرفيع. فهي تجيد عِدَّة لغات بينها الفرنسية واللاتينية والألمانية، كما تجيد العربية والفارسية والتركية. وذلك إضافة - بطبيعة الحال - إلى لغتها الأم التي هي الإنجليزية. وكان هذا ميزة فريدة جعلها تتناول التاريخ الإسلامي من منظور أكثر شمولاً وعمقاً؛ مُعتمدة على مصادر كثيرة مُتنوِّعة. وقد ألقت سلسلة من المحاضرات في أوروبا وأمريكا عن تاريخ القدس وعن الإسلام والفكر الإسلامي. وكثيراً ما كانت تلقي تلك المحاضرات باللغة التي يَتكلَّم بها الحاضرون أو أكثريتهم. ومن تلك المحاضرات «انتشار الإسلام في أواسط آسيا»، و«الخليفة أبو بكر»، و«صلاح الدين الأسطورة»، و«أمجاد بيت المقدس»، و«رأي المسلمين في القادة الصليبيين».

ومن البرامج التي قَدَّمتها عبر التليفزيون برامج عناوينها: «الإسلام دولة الإيمان»، و»القدس مدينة الديانات الثلاث»، و«ماذا لو انهزم الصليبيون في حربهم الأولى؟»، و«الحرب الصليبية مازالت مستمرة».

على أن ذروة إبداع البروفيسورة هيلينبراند في مجال البحث التاريخي هي كتابها القَيِّم، الذي ترجمة عنوانه إلى العربية : الحروب الصليبية؛ رؤى إسلامية، الذي فاز بالجائزة. وهو يشتمل على 540 صفحة تدعمها مئات المصادر والمراجع وأكثر من 540 صورة وشكلاً توضيحيّاً.

ومن الصدف الجميلة أن كاتب هذه السطور قد درس في جامعة أدنبرا، ونال شهادة الدكتوراه منها عام 1972م؛ مُتخرِّجاً من قسم الدراسات الإسلامية، الذي أصبحت البروفيسورة هيلينبراند رئيسة له بعد تخرُّجه منه بسنوات. وكان المشرف الرئيس على دراستي للدكتوراه هو البروفيسور مونتقمري وات، الذي ألَّف أكثر من عشرة كتب عن الإسلام وحضارته. وفي طليعة ما ألَّفه ثلاثة كتب عن النبي، صلى الله عليه وسلم، هي: «محمد في مكة»، و«محمد في المدينة»، و«محمد؛ نبيّاً ورجل دولة».

وفي احتفال منح الجائزة للفائزين بها استحسنت تقديم الفائزة البروفيسورة هيلينبراند بما يأتي:

هاتفٌ من جَنَبَات أَدنبَرا

تَلَّني رَجْعُ صَدَاه للوَرَا

سنواتٍ عِشتُها فيها مَضَت

وتَوارت مِثلَ أَطيافِ الكَرَى

وذُراً كانت لِعيني مَسْرحاً

أين من عَينيَ هَاتيك الذُّرا؟

أَين عُمْرٌ كُنتُ في رَيعانِه

بات- بعد العَدْو- يَمشي القَهْقرى؟

أَين ذاك الشيخ من لازمَه

يَلقَ» كلّ الصيد في جَوْف الفَرَا»؟

يَحِفزُ الطلاَّب في مَسراهُمُ

و صَباحاً يَحمدُ القَوْم السُّرَى

عَالِمٌ قد عُرِفَت أَبحاثُه

عن نَبيٍّ جاء نُوراً للوَرَى

أَنزل اللَّه على مُهجتِه

مُستهلَّ الوَحْي في غَار حِرَا

ومَضَى يَدعو إليه جَاهِداً

صَادِعَ التِّبيانِ فيما أُمِرَا

وطُغاةُ الشِّرك ما منهم سِوَى

من أَبى دَعوتَه واستكبرا

يَتَبارون بِإِلحاق الأَذَى

ويَصُدُّون عن الحَقِّ افْتِرا

يا لَهُ من رَحْمةٍ مُرسَلةٍ

نَفحُها عَطَّر قُدسيَّ الثَّرَى

وانْتَشتْ طَيْبةُ في طَلْعتِه

بَعد ما هَاجَر من أُمِّ القُرَى

وصِحابٍ رُحَمَاءٍ بَينَهم

وعلى أَعدائهم أُسْدِ الشَّرَى

فَتحوا الأمصارَ فَانداحَ بها

حُكمُهم عَدْلاً تَوَالى أَعصرا

و» هيلينبراند « مُستشرقةٌ

شَهدتْ أَنملُها فيما جَرَى

بَحثُها ازدان فَأَوفَى أَحرفاً

وتَسامَى في رُؤاه أَسطرا

عن جَلالِ القُدسِ.. عن تَاريخِها

مُستطاباً فَاحَ مِسكاً أَذفرا

عن صَناديدَ فَدوها كي يُرَى

تُربُها الزَّاكي الأَعزَّ الأَطهرا

قالت الصِّدق ولم تَحفلْ بمن

بَاع في سُوقِ التَّجنِّي واشتَرى

وأنا المُوحِي بما خَطَّت يَدِي

هَاتفٌ من جَنَبَات أَدنبرا

مقالات أخرى للكاتب