Thursday 29/05/2014 Issue 15218 الخميس 30 رجب 1435 العدد
29-05-2014

د. عبدالعزيز الخويطر: المثالية والتميّز والريادة

لم يكن الراحل الكبير الدكتور عبدالعزيز الخويطر رجلاً عادياً، أو مسؤولاً يتوافق في صفاته ومواصفاته مع غيره من المسؤولين، ولم يكن رجلاً عالماً يشابه غيره من العلماء، إذ إنه كان حالةً خاصة جمع كل الصفات من النزاهة إلى الإخلاص، ومن الكفاءة إلى الجدية في العمل، ومن الريادة في التعلم إلى الأسبقية في العلم، وهكذا كان كاتباً ومؤلفاً فأستاذ جامعةٍ ثم مديراً لها، وهو الوزير لأكثر من وزارة، بمعنى أن رحلته في الحياة كانت رحلة علمٍ وعملٍ وإخلاص ونزاهةٍ، وإذا كنا فقدناه فإن اسمه الكبير وعطاءاته المتميزة لن تختفي أبداً، لأنه كان مدرسةً مثاليةً في كل شيء، ومعلماً كبيراً يتفق الجميع على احترامه، ولعل الصدمة بوفاته تذكّرنا بأهمية أن نكرّمه بما يستحق، وهو تكريمٌ كان ينبغي أن يكون في حياته، أما وقد توفاه الله فلا أقل من أن تتبنى وزارة التعليم العالي إطلاق اسمه على إحدى الجامعات الناشئة التي تزمع الإعلان عنها في المستقبل، بحكم أنه أول سعودي يحصل على شهادة الدكتوراه وأول أكاديمي سعودي يتولى إدارة أول جامعة في المملكة، لنكون بذلك في المستوى المطلوب والمتوقّع في الوفاء وتقدير النابهين والرواد والاحتفاظ بالأسماء الكبيرة وتخليد ذكراها.

* * *

ومع وفاة الدكتور الخويطر وحيث عمَّ الحزن الوطن وأهله، ومن باب التذكير ببعض ما أعرفه عن الفقيد الكبير، ها أنذا أعيد نشر مقال كنت كتبته مقدمةً لكتاب (الخويطر وراقاً - تأليف الأخت حنان السيف) وفيه ومضاتٌ عن محطات اخترتها للحديث عنه إبان حياته وقبل وفاته بسنوات، لعلها توجز وتترجم لكم القيمة الفكرية والثقافية والعلمية والعملية عن عالمٍ بهذا التميز والمستوى الكبير.

* * *

ما إن يرد اسم الدكتور عبدالعزيز الخويطر في ذاكرة أي منا - بوصفه أول مواطن سعودي حصل على درجة الدكتوراه؛ ومن ثم تبوَّأ مسؤولية إدارة أول جامعة سعودية، هي جامعة الملك سعود - حتى تتبادر إلى الذهن تلك المرحلة الطويلة، وذلك المشوار المثير في عمر هذا الرجل الذي قضى حياته كلها صديقاً ورفيقاً ولصيقاً للكتاب والقلم، دارساً ومدرِّساً وعالماً ومتعلِّماً، دون أن يعطي نفسه حقها في التمتع بملذات الحياة مثلما يفعل غيره، حيث التوقف بمحطاتها للاستمتاع بكل ما تزخر به مما يستجيب لرغبات الإنسان ومتطلباته.

* * *

فعبدالعزيز الخويطر باحث بامتياز، ورجل دولة، تأمنه على الحق العام أكثر مما تأمنه على حقه الخاص، وتشعر بقربك منه ومحبتك له كلما جمعتك به مناسبة، أو ضمك به اجتماع، حيث التواضع والخلق والثراء في الثقافة، وهو أبداً من لا تغيب قصصه ورواياته ونوادره ومشاركاته في الاجتماعات واللقاءات مع محبيه حين يكون في أجواء غير رسمية، وفي لقاءات إخوانية مع الأقرباء والأصدقاء والزملاء.

* * *

ومهما اختلف الناس حول هذه الشخصية المبهرة فإنهم سوف يتفقون في نهاية النقاش على أنه، بتاريخه وعطاءاته وتنوُّع خبراته وتفاعله مع مجتمعه ونزاهته وإخلاصه وجديته في العمل، إنما يمثّل نموذجاً للمواطن ورجل الدولة، ضمن توصيف لشخصية، عنوان الوصول إليها «الثقافة»، التي كان له فيها ومنها حظ وافر وزاخر، ما لا يمكن حصرها في فن واحد أو تخصص محدود.

* * *

فمن جامعة الملك سعود، إلى ديوان المراقبة العامة، ومن وزارة الصحة، إلى وزارة المعارف، إلى أغلب وزارات الدولة التي تولاها، إما أصالة أو نيابة، وحيثما كان له حضور أو مشاركة في أي من اللجان العليا في ديوان رئاسة مجلس الوزراء وغيره، فقد ظلَّ الدكتور الخويطر رقماً يصعب تكراره، ومسؤولاً قلَّ أن يجود الزمن الحاضر بمثله؛ إذ إنه منح الوظيفة إخلاصه، وأعطاها وقته وصحته في استمتاع حجب عنه كل استمتاع آخر، بما في ذلك عدم تمتعه بأي إجازات سنوية وغير سنوية، وهي التي يتمتع بها الصغير والكبير.

* * *

لقد ظلَّ الدكتور الخويطر وفياً لعلمه وقلمه وقراءاته، مشاركاً في التأليف والكتابة الصحفية؛ ما يمكن أن يُفسره من لا يعرف الرجل معرفة جيدة على أنه يملك من الفراغ ما مكَّنه وساعده على أن يمد المكتبات بهذا التنوُّع الجميل من الإصدارات، وأن يكتب للصحف دون أن تغيِّبه الوظيفة ومسؤولياتها عن هذا الاهتمام، بينما يقول الواقع إنه يجمع بين كل هذه المسؤوليات والاهتمامات، ويعطيها ما تحتاج إليه من وقت ومن أجواء وطقوس تناسبها؛ لأنه يملك قدرة عجيبة على توظيف الوقت توظيفاً حسناً، واستثماره أحسن استثمار، ضمن برنامج مكَّنه من أن ينجح في تحقيق كل أهدافه، وبكل هذا التميُّز والنجاح.

* * *

وهذه السلسلة من الكتب التي أصدرها، سواء ما كان منها في مجال تخصصه، أو تلك التي تتناغم مع اهتماماته وقراءاته المفتوحة، هي نتاج سنوات طويلة من الخبرة والتجربة والقراءة والذاكرة القوية والتنظيم غير العادي، الذي أبقى في يده الكثير مما دوَّنه خطياً في مذكراته من معلومات وكنوز من المعرفة في مختلف مراحل حياته. ومثل هذا لا يفعله إلا من كان قد رسم مبكراً هذا المنحى (غير العادي) لما سوف يفعله فيما بعد. وقد جاء الوقت المناسب ليستخلص لنا الدكتور الخويطر نتائج هذا التخطيط المبكر، ويقدمه هدية لنا على شكل إصدارات غنية بالمعارف والعلوم لمن يريد أن يستزيد من ثقافة الرواد ومن علمهم وتجاربهم.

* * *

ويلاحَظ أن الدكتور الخويطر لم تقعده السنون التي انصرمت من عمره عن ميله إلى البحث واهتمامه بالتأليف، بل إن نشاطه أخذ يزداد، وبدأ يتنوَّع مع تقدمه في العمر، دون أن تشغله الوظيفة أو الالتزامات الاجتماعية الأخرى عن استقطاعه ما يكفي من الوقت لصالح البحث وإجراء الدراسات وتأليف الكتب، والحضور المتألق مشاركاً في كل الأجواء الثقافية والمناسبات العلمية. على أن غزارة الإنتاج صاحبها حرصه على أن تكون إصداراته ذات مستويات عالية من حيث المعلومات والتوثيق والأسلوب الممتع؛ بما يجعلها ضمن قائمة المصادر والمراجع التي لا غنى لأي باحث أو دارس عنها.

* * *

ولعل إطلالة سريعة منا على عناوين ما صدر له من كتب، والاكتفاء بالإشارة إليها حتى من دون الدخول في تفاصيل مضامينها، ومن دون اللجوء إلى قراءة متأنية لها، تعطي لنا انطباعاً عن القيمة الفكرية والأدبية والعلمية والتنوُّع في ثقافة الدكتور عبدالعزيز الخويطر. فمن اهتمامه بتحقيق الكتب والمخطوطات كما فعل مع الشاعر محمد العثيمين وعثمان بن بشر وأحمد المنقور، إلى المساهمة في مجال الترجمة حين قام بترجمة رسالته للدكتوراه عن الظاهر بيبرس، ومن الاهتمام بالتراث؛ إذ خصه بكتابه ذي الأجزاء السبعة عشر بعنوان (إطلالة على التراث)، إلى العناية بالتربية بإصداره كتابه (أي بني) في خمسة أجزاء، ومن الاهتمام بالسير والمذكرات كما في كتابه (وسم على أديم الزمن) في أجزائه الخمسة عشر، إلى اهتمامه بالتعليم كما في كتابه عن تاريخ التعليم في المملكة.. وهكذا مع بقية ما صدر له من كتب مثل كتاب له بعنوان (يوم وملك)، وآخر بعنوان (دمعة حرى)، وغيرها.

* * *

ولا أحسبني سأضيف جديداً، أو أقدِّم توصيفاً كاملاً وحقيقياً لهذه الشخصية بأكثر مما يتحدث عنها هذا الثراء في الفكر (الخويطري)، الذي يمكن أن نتعرف عليه من خلال قراءة هذه السلسلة من الكتب القيمة، واستعراض ما جاء فيها؛ فهي خير من يقرِّبنا إلى هذا العالِم، ويعرِّفنا على ما يتمتع به من ثقافة واسعة؛ مكَّنته من أن يبحر من خلالها في الإدلاء بدلوه في كل فن بموضوعية وعناية واهتمام والتزام بما اعتاد أن يلتزم به كبار العلماء والمفكرين في أبحاثهم ودراساتهم.

* * *

لقد تتلمذ وتعلَّم على يدي الدكتور عبدالعزيز الخويطر جيلٌ كاملٌ من المواطنين، وأخذ هؤلاء التوجيه منه، وبخاصة من تسنموا فيما بعد مراكز أو وظائف عليا بالدولة. واستوحى هذا الجيل من إخلاصه وجديته وصبره؛ فحاكاه بما أفاده في علمه وفيما بلغه من النجاح والتوفيق في حياته العملية، محتفظاً للخويطر بمكانة عالية من التبجيل والتقدير والاحترام، وهو ما يلمسه كل منا من خلال ما يسمعه أو يشاهده في المناسبات واللقاءات الخاصة والعامة.

* * *

رحم الله الدكتور عبدالعزيز الخويطر الذي أضاء ساحة العلم بفكرٍ خلاَّق وبشخصيةٍ تميّزت بالإباء والشموخ، وواكب بالعمل والجهد والعطاء الأمثل خطوات التنمية في بلادنا، وكان في حياته صفحةً ناصعة في النزاهة والإخلاص، معمقاً الانطباع بأننا أمام قامةٍ كبيرة وشخصية فذة ورجل دولةٍ ومرحلة لن توفيه الكلمات ولن تنصفه المشاعر الصادقة بإعطائه الحق والتقدير الذي يستحقه، فقد كان علماً ومثلاً أعلى ينبض قلبه الكبير بكل ما هو جميل قبل توقفه وانتقال الفقيد إلى رحمة الله.

مقالات أخرى للكاتب