Saturday 31/05/2014 Issue 15220 السبت 02 شعبان 1435 العدد
31-05-2014

قراءة شرعية في خطف جماعة بوكو حرام الفتيات وبيعهن سبايا في نيجيريا...

إن كان اختطاف الفتيات من قبل جماعة بوكو حرام التي تدعي أنها جماعة السنة والجهاد كما في تعريفها في اليوكيبيديا وبيعهن سبايا بدراهم معدودة اعتراضاً على التعليم وحرباً على رواده تحت أي ذريعة وأي مسوغ وأي هدف، ففي المسألة تفصيل لابد أن تجيب الجماعة عليه فقهاء الإسلام، فإن كانت الفتيات مسلمات فلا يجوز سبي واسترقاق المسلمة، وإن كن غير ذلك فليس للجماعة عليهن من سبيل واختطافهن واسترقاقهن حرام لأنهن غير محاربات وبيعهن لا يجيزه الإسلام ألبتة، وهم آثمون ومدانون وقراصنة، وما فعلوه تعد سافر وظالم على آمنين لا يليق بالمسلمين ولا يقره الإسلام ألبتة... وعطفاً عليه جاء الإسلام ليتمم المكارم ويخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ويحررهم من القيود والأغلال، وربما يلخص رسالة الإسلام الإنسانية قول ربعي بن عامر رضي الله عنه للقائد الفارسي رستم قبل معركة القادسية حينما سأله ما الذي جاء بكم؟ فقال له: «لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة «، وقال ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين»، قال: «... فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل»..

ومن يمعن الفكر وينعم النظر في ما يجري بحق الإسلام اليوم يدرك خطورة التشويه والصد عن سبيله بسبب تصرفات بعض المسلمين، ولنا وقفة شرعية مع عمل جماعة بوكو حرام في اختطاف الفتيات وسبيهن واسترقاقهن وبيعهن بدراهم معدودة على النحو التالي:

1 - الإنسان حر، وقد عنى الإسلام بتقرير كرامته، وعلو منزلته، وكل ما يؤدي إلى هذا المبدأ فالإسلام يقر به ويلتزمه، ولذلك أوصى باحترام آدميته وعدم امتهانه واحتقاره، قال تعالى:»ولقد كرمنا بني آدم»، وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كلمته المشهورة في ذلك: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا. وقال علي بن أبي طالب في وصية له: لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حرًا.

2 - رسولنا الكريم رحمة مهداة للعالمين، والرق فيه قسوة، ولذلك حاول الإسلام أن يحل معضلته دونما تفريط في حياة المملوك وطريقة عيشه آنذاك وتركه عرضة للهلاك والآفات، وهو القائل: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».. وخير مايمثل الألم النفسي لمنظر بيع الرقيق والتفريق بينهم وبين ذويهم ما ورد عن أبي الدرداء- رضي الله عنه - أنه لما فتحت قبرص مر بالسبي فتأثر مما رآه من عظيم التفريق بين الأسرى والسبايا، فبقي مشدوها، منفرداً باكياً، مستنكراً ما شاهده قائلاً، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا تركوا أمره.

3 -الرق ليس مشكلة إسلامية وليس بدعاً من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، إنما هو مشكلة إنسانية ناتجة عن الصراع والتدافع الإنساني منذ الأزل، فالرق معروف ومعمول به في كل الديانات والحضارات والمذاهب السابقة للإسلام، كما نص عليها وعلى غيرها ول ديورانت في كتابه قصة الحضارة... فالفقهاء والعلماء يعلمون أن ليس في الإسلام نص يأمر بالاسترقاق ولكن كانت تجارة العبيد عادة من عادات العرب والعجم ومن أشد معاملاتهم التجارية تعقيداً، ولا يحمل الإسلام البريء هذا العار بل عالجه ووضع له حلولاً تقضي عليه في المجتمع المسلم، ويكفي أن الله خصم من يخطف ويبيع الأحرار ذلك يوم القيامة، ففي الحديث الصحيح: « قال الله -عز وجل-: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره «...

4 - الرق ليس من العقائد والعبادات التوقيفية التي لا تتغير كالتوحيد والصلاة والزكاة وهي المبنية على التوقيف ومن أحدث فيها أمرا فهو رد، كما ورد في النص، بل إن الرق والسبي من باب المعاملات المتغيرة الخاضعة لثقافة أهل العصر والمبنية على تحقيق العدالة، ولو منعها الإسلام في العهد الأول لاصطدم بالسائد ورغبة الصناديد وتجار القوم، وبخاصة أن الرق هو التجارة الرئيسة في حياة العرب واقتصادهم قائم على هذا النظام المالي المعقد، ولن تتخلى عنه الناس بيسر وسهولة، وكانت المحصلة النهائية والنتيجة المؤداة هو تضييقه ما أمكن ليتخلص المجتمع منه في النهاية، ولكن باستراتيجية ناجحة، والذي تركه كان من باب الردع للأمة والحفاظ على هيبتها، وكان للإسلام منهج متدرج في التشريع والقضايا الجتماعية والاقتصادية كالبيوع والحرية والعدالة وإلغاء الرق والجهاد ولم يتدرج في العقائد، وقد جفف الإسلام منابعه وحصرها في حالة الحرب ردعا للأمة ومعاملة بالمثل فقط لأن الأمم المحيطة به كانت من عاداتها الرق والاسترقاق في الحروب وغير الحروب، ومن ذلك أن الأعداء يسترقون المسلمين إذا وقعوا في أسرهم، لقد حدث ذلك مثلاً: مع زيد بن الدثنة، وكذلك مع خبيب بن عدي رضي الله عنهما، كما ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني: (الإصابة في تمييز الصحابة: 2-263)، وقال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (194) سورة البقرة.

5 - حينما استبقى الإسلام الرق في الحرب فقد عدد المصارف ووحد المنبع على خلاف الأمم التي سبقته وكان قصده إنهاؤها وأقر ملك اليمين تقديراً لظروف البشرية آنذاك إذ لا أمن ولا أمان ولا بد من عائل يحمي هؤلاء النسوة الضعاف اللاتي بلا أهل ولا منعة وكان هذا الباب حفاظاً على الحياة التي هي أهم، والذي سيؤدي بهن إلى الإسلام من خلال التعامل مع المؤمنين، كما رضي الإسلام بدفع الجزية من أهل الذمة الذين سيؤمنون بسبب تعاملهم واحتكاكهم مع المجتمع المسلم إضافة إلى تقليص طرق الرق ولا يمكن أن يحاكم الإسلام بناء على معطيات اليوم التي حفظت بها الأرواح وتمدنت الناس وتطورت، وبالتالي ليس هناك حاجة إلى ما كان وجوز أن يستمتع بملك اليمين التي ستصبح أم البنين لأن ما تلده يكون عبدا من سيدها لو بقيت غير مستمتع بها من غير سيدها وسيزداد العبيد ويرتفع بإنسانية المرأة ويحترم أنوثتها باتخاذها امرأة وهي لاتنقص عن الحرة في متعتها كامرأته ويمنعها من أفساد الغير، ولكي نكون منصفين فالمقارنة بين رق وقتل في الجاهلية ورق وحرية في الإسلام بين رق وزيادة عند الأمم وبين رق ونقص عند المسلمين وأهم دليل على رؤية الإسلام فتح باب المكاتبة فقال «فكاتبوهم» فيأتي العبد ويشتري نفسه خلال مدة يتفق عليها، ولو تم تحررهم بدون دفع للتعويض لأصبحوا عالة وبلا مأوى وستكثر الجريمة ويتفشى الفساد وحاشا الإسلام أن يقبل بهذا، فتم تحرير العبيد بطريقة تدمجهم في مجتمعهم دونما حاجة لأحد يعينهم على تكاليف الحياة.

6 - وعطفاً على هذه المبادئ الإسلامية العظيمة إن منعت الأمم الرق واصطلحت على منع الاستعباد فالإسلام أول المباركين لها، وقد أعطى الإسلام صلاحيات المصلحة للإمام وولاة الأمر والسلاطين فهم من يقدرونها وهم من يمنعونها ويكون شرعاً ملزماً للأمة ومن تحت ولاياتهم، وقد عقدت لهذه الغاية الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الحديثة. فأبطل العالم الحر الرق؛ إذ تنص المادة الرابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه «لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، ويُحظر الرق والاتجار بالرقيق بجميع صورهما». ووقع المسلمون عليها فهم ملزمون بها شرعا وأي خرق لها يعد من عدم الالتزام بالمواثيق والعهود المنهي عنها، قال تعالى: « {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} (91) سورة النحل، وبخاصة أن هذا الإعلان يتفق نصاً وروحاً مع حقوق الإنسان في الإسلام الذي يرفض الرق والعبودية لغير الله ولم يعد بحاجة إليه ولذلك من الظلم للإسلام دين السماحة أن يعيد المسلمون للبشرية الرق والعبودية بعدما تخلصت منها..

7 - لا يعني ذكر الرق وملك اليمين في القرآن والسنة شرعنتها مثلما ذكر الفقر والذنوب ووضع له ولها حلولاً ما دام أنه يرى العتق عبادة وفضيلة والرق جريمة إن كان في غير الحرب فهما ضدان لا يلتقيان، ولا بد من معرفة سر تعبيره بالماضي دائماً بما ملكت أيمانكم وتفسيرها في ظل ما يحفظ مبادئ الإسلام من التشويه وما أكثر قول المفسرين فيها ولا بد من الوقوف عليه من قبل الفقهاء بناء على أن الحرية أصل والرق طارئ، ولو ولد لقيط في الإسلام فيعده الشرع حراً لأن الأصل في الإنسان أن يكون حراً كما قال الفقهاء ونقيض ذلك عبوديته واسترقاقه وسلبه تلك الحرية.

8 - لقد صعق المسلمون في كل العالم وتفاجأت البشرية وتأسف الشرفاء على تشويه هذا الدين العظيم ورسوله صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين والمحرر الأول للعبيد، كما وصفه الدكتور راما كريشنا راو في كتابه محمد نبي الإسلام، وأحصى صاحب التراتيب الإدارية ما أعتق رسول الله وأصحابه من الأرقاء، من غير عتقاء «أبي بكر» الصديق، واحداً وثلاثين ألفاً وثلاثمائة واثنين وعشرين عبداً قد حرروا في صدر الإسلام. ولم تتوقّف حركة تحرير الرقيق على مستوى الخاصة والدولة في عهود الدولة الإسلاميّة، فقد اكتشف الأستاذ «محمد حسن عواد»، أن تحرير الرقيق وحمايته فكرة عربيّة إسلاميّة وأن بطلها ملك عربي مسلم هو الخليفة الأموي «سليمان بن عبد الملك»، وأنه حرر في يوم واحد ما لم يحرره ملوك مجتمعون في سنين متعددة، وأنه لم يقتصر على التحرير حتى اهتم بإيجاد أعمال حرة لهؤلاء المحرّرين تؤمن معايشهم، وتسلكهم في عداد إخوانهم من الآدميين المتمتّعين بحريّة العيش، وقدّر عدد من حرّرهم «سليمان» من العبيد والإماء بسبعين ألف نسمة، وقدّره البعض الآخر بأكثر من ذلك، وكان جده «مروان بن الحكم»، أو الحكم بن أبي العاص قد أعتق سبعمائة عبد وجارية في يوم واحد. وقد ثبت من حديث البخاري عن جويرية أنه عليه السلام: «لم يترك عند وفاته درهمًا ولا دينًارا ولا عبدًا ولا جارية».

وقد عدد ابن القيم أسماء كثيرة أعتقها صلى الله عليه وسلم، وذكر الصنعاني في «سبل السلام «- كتاب العتق- نقلاً عن صاحب كتاب «النجم الوهاج» أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعتق ثلاثة وستين نفساً بعدد سنوات عمره الشريف. وأعتقت زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها وحدها سبعة وستين عبداً وجارية بعدد سنوات عمرها أيضاً. وأعتقت السيدة خديجة بنت خويلد زوج النبي عليه السلام عشرات من العبيد والجواري قبل وبعد الإسلام رضي الله عنها. وأعتقت السيدة أم سلمة عشرات العبيد رضي الله عنها، بل إنه رغب في العتق سعياً لتخليص المجتمع من هذا العار الموروث؛ ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنَ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ»، ولم يقتصر على هذا، بل سن المكاتبة وهي تحرير الرقيق لنفسه وجعلها ملزمة حتى أن أمير المؤمنين سيدي عمر ضرب من رفض من الصحابة بالدرة وخلال هذه الفترة ألزم المسلمين بحسن المعاملة والمعشر والإطعام واللباس حتى قال: «ثَلاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: الطَّلاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْعِتَاقُ «...

9 - من أعظم رجال الإسلام فهما للدين الإسلامي ومقاصده السمحة هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي قال: «لا سباء على عربي في الإسلام « وربما اعتمد في ذلك على ما نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا رق على عربي»، وكانت له رؤيته في مسألة الاستعباد والجزية إذ نهى عن سبي العرب ونهى عن أخذ الجزية من تغلب، ورد سبي حروب الردة فقد ورد في جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر برقم 1837 في مناظرة عمر بن عبد العزيز مع الخوارج يذكر فيه عمر بن عبد العزيز أن أبا بكر سبى نساء وذرية المرتدين ثم ردهن عمر على عشائرهم، وفي توجيه فعل عمر ينظر منهاج السنة لابن تيمية والإحكام للقرافي وقواطع الأدلة للسمعاني، ونقل ابن جرير الطبري أن عمر ردّ السبي في خلافته لتعظيم أمر العرب، فقال في «تاريخه» (2-304): «فلما وَليَ عمر رحمه الله قال: «إنه ليقبح بالعرب أن يملك بعضهم بعضاً، وقد وسَّع الله وفتح الأعاجم». واستشار في فداء سبايا العرب في الجاهلية والإسلام، إلا امرأة ولدت لسيّدها. وجعل فِداء كل إنسان سبعة أبعرة وستة أبعرة، إلا حَنِيفة كِنْدة فإنه خفّف عنهم لقتل رجالهم، ومَنْ لا يقدر على فِداء لقيامهم وأهل دَبَا. فتتبعت رجالُهم نساءَهم بكل مكان».. وعطفاً عليه لو كان السبي والرق مرغوباً فيه وشرعاً يسعى إليه لما وقف منه أمير المؤمنين عمر هذا الموقف الرافض له، وتصرفه فيه دليل على جواز تصرف المجتهدين فيما بعد بحسب ظروف الأمة، وللفقهاء في القرن العشرين أن يقيسوا على فعله رضي الله عنه فينهوا عن سبي العرب والعجم لمصالح لا تقل عما رآه سيدنا عمر أمير المؤمنين بعد زوال الحكمة من إقراره في العهد الأول وهي المعاملة بالمثل والإسلام دين فضيلة وخلق وقيم ومتمم لمكارم الأخلاق، وبخاصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر حلف الفضول الجاهلي لما فيه من مكارم الشيم وعظيم الأخلاق، حتى أنه - صلوات الله وسلامه عليه - قال بعد أن أكرمه الله بالنبوة والرسالة: «لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد الله بن جدعان، ما أحبّ أن لي به حمر النعم» رواه أحمد.

10 - استرقاق الأسرى ليس أمراً واجباً بل أمره إلى الحاكم المسلم كما ذكر الفقهاء، وهذا يحكم عليه في هذا الزمن بأنه ليس من الإسلام مادام الدول تصالحت على إلغائه وتجريم من يشرعنه، ولو كان السبي واجبا في الإسلام لما تصرف فيه سيدنا عمر بن الخطاب؛ فقد روى عبد الرزاق عنه - رضي الله عنه - بسند رجاله الثقات أنه أعتق كل المسلمين، وبذلك جزم ابنه عبد الله - رضي الله عنه - فقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني موسى بن عقبة عن نافع أنه كان في وصية عمر بن الخطاب أن يعتق كل عربي في مال الله، وللأمير من بعده عليهم ثلاث سنوات يلونهم نحو ما كان يليهم عمر، قال نافع: كان عبد الله يقول: بل أعتق كل مسلم من رقيق المال، وأخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أعتق عمر بن الخطاب كل مسلم من رقيق المال. بل كان يعتق غير المسلمين أيضاً، كما في مصنف ابن أبي شيبة في باب عتق اليهودي والنصراني: أن عمر أعتق يهودياً أو نصرانياً. ويعزى له من قوله: قوله: ليس على عربي ملك، وهذا يؤكد موقفه من استعباد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وكان ذلك اجتهاده رضي الله عنه في وقته وهو وقت عز وأنفة للمسلمين فمابالك اليوم بهوان المسلمين وضعفهم فإقرار الاسترقاق ليس في مصلحتهم وهم على هذه الحال؛ فالأولى بهم أن يجرموها ويجرموا كل من يشرعنها ويقرها....

11 - إذا قال بعض العلماء في مسألة التبرع بالأعضاء أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف فيها بالبيع. كما لا يجوز بغيره أن يفعل ذلك؛ لأن النفس ملك لله عز وجل استدلالاً بالمنقول والمعقول. بل إنهم حرموا نقل الأعضاء الآدمية مطلقاً، سواء أكانت أعضاء كافر أم كانت أعضاء مسلم. فما أعظم أن تملك إنساناً وباسم الإسلام الذي منع التصرف بما هو أقل من ذلك كالتبرع بعضو من الأعضاء، وذلك لأن الحرية حق لله تعالى، فلا يقدر العبد على إبطاله.

12 -قال تعالى في الأسرى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (4) سورة محمد. فذكر المن أو الفداء وليس فيها دليل على نوع ثالث هو الاسترقاق والعبودية، ومهما قالوا أيضاً في مسألة الناسخ والمنسوخ بحق تفسير الآية فليس هناك دليل صريح، وبخاصة أن بعضهم قال إنها هي الناسخة لآيات لا يمكن تعميمها بقتل المشركين أينما ثقفناهم متجاهلين الصلح والعهود التي أقرها الإسلام، وغير ذلك مما هو مقيد بظروفه التي يستحيل تعميمها على العصور الإسلامية، فإن الآية صريحة لا تحتمل تشريع العبودية لأنها من قول المفسرين ولم تنص عليها وهو من تحميل النص ما لا يحتمل وتأييدا لذلك لم يذكر القرآن السبي والاسترقاق أبداً، ويبقى الموضوع بحاجة إلى بحث من المجامع الفقهية والهيئات والمراكز العلمية تطهيراً للإسلام مما ألحق به من تشويه وصد عن سبيل الله من بعض المغامرين والجهال.. والله من وراء القصد.

abnthani@hotmail.com

عميد الموهبة والإبداع والتميز البحثي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

مقالات أخرى للكاتب