Sunday 22/06/2014 Issue 15242 الأحد 24 شعبان 1435 العدد
22-06-2014

الحكمة (اليمانية) والحزم الرئاسي المطلوب..؟

عندما تمكن (الحوار الوطني اليمني الشامل) بقيادة رئيس الجمهورية - عبد ربه منصور هادي -.. من بلوغ (مخرجاته) النهائية في لجانه التسع، التي تم تشكيلها في ختام جلسة افتتاحه.. في الثلاثين من شهر مارس قبل الماضي.. لبحث قضايا (الجنوب، وصعدة، وماهية الدولة،

واستقلالية السلطات، والحقوق والحريات، والجيش والأمن، والتنمية المستدامة، والعدالة الانتقالية).. وصولاً لـ(الدستور اليمني الجديد).. كانت قلة من أعداء اليمن في الداخل والخارج ما تزال تتربص بـ(مخرجات) ذلك (الحوار الشامل) التي لم تُرضِ نزعاتها وطموحاتها الشخصية وإن أرضت اليمنيين جميعاً وطمأنتهم على مستقبل اليمن الواحد، وهي تسعى إلى عرقلة تطبيق تلك (المخرجات) على أرض الواقع.. بعد أن فشلت في منع جلسات (الحوار) نفسها من الانعقاد..؟!

ومع أنهم حاولوا ذلك.. وبكل ما أوتوا من دس وخداع وتضليل واستخدام لـ(ذهب المعز) طوال شهور (الحوار) الست.. والتي امتدت لعشرة أشهر: بـ(تحريض) أعضاء المؤتمر على الامتناع عن حضور جلساته.. أو الانسحاب منها.. أو الاعتصام داخل لجانه وخارجها، إلا أنهم لم يفلحوا.. ومضى (الحوار) في لجانه الثماني بأعلى نسب النجاح والتوافق بين أعضائه!! فقد انتصرت (الحكمة اليمانية) التي تحلى بها معظم أعضاء مؤتمر (الحوار) الخمسمائة والخمسة والستين عضواً.. إن لم يكن جميعهم.. حتى أمكن الوصول إلى تلك (المخرجات) الوطنية الرائعة البناءة، التي التف حولها اليمنيون جميعاً.. ماعداهم!! ليجدوا فرصتهم الزمنية مجدداً.. مع آخر اللجان التسع (لجنة صياغة الدستور)، التي ستتولى تحويل مناقشات اللجان الثمانية ومداولاتها وتوصياتها ومقرراتها النهائية إجمالاً.. إلى نصوص ومواد وبنود في (دستور) دولة الوحدة الفيدرالية.. الجديد، والتي دعمها الرئيس عبد ربه بـ(لجنة احترافية) من أحد عشر قاضياً ومحامياً وفقيهاً دستورياً.. لإنجاز صياغة الدستور الجديد على نحو محكم ودقيق خلال ستة أشهر.. تنتهي مع نهاية العام الحالي (2014)، لتعود هذه القلة العابثة بـ(اليمن) وصروح تاريخه إلى ألاعيبها القذرة.. ليس بضرب أبراج الاتصالات الهاتفية والمنشآت الحكومية كمبنى الإذاعة اليمنية ووكالة الأنباء الرسمية (سبأ).. والأهلية كمبنى شركة الخطوط اليمنية.. وكما كانوا يفعلون في عامي 2011 و12، ولكن بـ(تفجير) محطات التوليد الكهربائية، وشبكات نقل التيار العالي، ونسف أنابيب النفط.. لتنشل حياة اليمنيين تماماً، ويعم «الخراب» أرجاء الوطن ويمس كل أبنائه.. وكما حدث خلال الأسبوع الماضي عندما بات اليمن كله غارقاً في ظلام دامس، وتوقفت مركبات اليمنيين جميعاً عند محطات البنزين والديزل وهي تبحث عن لتر من البنزين والديزل.. فلا تجدهما..!! لتخرج جموع البسطاء - وهي على حق - إلى الشوارع والميادين.. غاضبة ناقمة على (حكومة الوفاق) التي لم تفعل شيئاً..؟ ليقع الوطن اليمني كله في (فوضى) لا أول لها.. ولا آخر، وهو ما كانت تريده تلك القلة العابثة.. تماماً!!

* * *

نعم، لقد أدار الرئيس عبد ربه وأمناؤه.. جلسات الحوار الوطني طوال شهوره بصبر (أيوب) وحكمة (لقمان) ودهاء (ابن العاص).. مستخدماً كل ما لديه من المنطق والحجج والعقلانية والعلاقات الشخصية والإقليمية والدولية.. بل والوجاهات والزعامات والوساطات القبلية، وفي يقينه بأن موروث (الحكمة اليمانية) القابع أحياناً تحت رماد المصالح.. لا بد وأن يسطع في النهاية لصالح الأمة ووحدة ترابها وإنسانها، كما حدث فعلاً عندما تغلب مؤتمر الحوار الوطني على أصعب وأدق ملفاته وأخطرها في إعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وفي القضية الجنوبية، وقضية صعدة.. وفي (ماهية) دولة الوحدة الفيدرالية الجديدة.. كما أقرها المؤتمرون: أهي فيدرالية من إقليمين شمالي وجنوبي كما يريد (الحراك)..؟ أم فيدرالية من ست مقاطعات كما يريد الرئيس وأكثرية اليمنيين الساحقة.. حفاظاً على (الوحدة) لا هدماً لها!! شيء أقرب ما يكون إلى (الفيدرالية الألمانية) المكونة من عشر مقاطعات.. أو الفيدرالية التركية المكونة من سبعة أقاليم، وهو ما تم فعلاً في النهاية عندما تولى الرئيس عبد ربه حسم هذا الـ (خلاف) لصالح دولة وحدة فيدرالية من ستة أقاليم: إقليمان جنوبيان وأربعة أقاليم شمالية، ودعا بالتالي لجنة صياغة الدستور.. إلى زيارة (ألمانيا)، للاطلاع عن كثب.. على تفاصيل (الفيدرالية) الألمانية - المثل الأوروبي الأعلى.. بين فيدراليات العالم قاطبة -، ومكوناتها ومجالسها وحكوماتها وبرلماناتها الإقليمية، والأسس التي يقوم عليها توزيع ناتجها القومي بين حكومات الأقاليم و(المركز)، الذي يتولى كما هو شأن الفيدراليات جميعها.. إدارة الشؤون الخارجية والدفاعية والاقتصادية لـ(دولة الوحدة الفيدرالية).

ويبدو أن انتهاء مهمة (اللجنة) في ألمانيا.. قد أعطى انطباعاً لدى تلك (القلة) المارقة على إجماع الأمة، بأن الانتهاء من صياغة الدستور اليمني الجديد.. لن يخرج عن وقته المحدد، وأنه بات وشيكاً.. ليجرى الاستفتاء عليه فيما بعد، ثم تعقبه الانتخابات التشريعية.. فـ(الرئاسية) الجديدة، ليجد (اليمن) نفسه.. بعد ستة إلى ثمانية أشهر، وقد ارتفعت في سمائه أعلام (دولة الوحدة اليمنية الفيدرالية) الجديدة.. برئيسها المنتخب وحكومتها المنتخبة و(برلمانها) و(محكمتها الدستورية)..!؟

وبقدر ما في هذا (السيناريو) اليمني السعيد بمحطاته الختامية - من الانتهاء من صياغة الدستور إلى التصويت عليه.. إلى إجراء الانتخابات التشريعية.. فـ(الرئاسية) - والتي ستفضي إلى (قيام جمهورية اليمن الفيدرالية) الجديدة، وما يعنيه ذلك من نجاح لـ(المبادرة الخليجية) بانتقال (السلطة) سلمياً وانطواء سنة الانشقاق - 2011م - وما شهدته من مواجهات واقتتال.. والإقبال على عالم يمني جديد.. من صناعة اليمنيين أنفسهم، وهو ما يستوجب الاحتفال والاحتفاء بمقدمه.. إلا أن تلك القلة الضالة - التي لا تهمها غير مصالحها الآنية والذاتية - ترى في هذا (السيناريو السعيد) فرصتها الأخرى والأخيرة لـ(ضرب) المبادرة، ونسف المراحل التي قطعتها، والإنجازات التي حققتها.. بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي لـ(الجمهورية)، وباسندوه لرئاسة حكومة الوفاق الوطني، والعودة بـ (اليمن)، مجدداً إلى متاهات الانشقاق والاقتتال والاقتحامات التي لم ينج منها حتى أولئك النائمون على أسرتهم البيضاء، وقد تسارعت أعمال هذه (القلة) التخريبية - أو التدميرية على وجه الدقة - خلال الأسابيع القليلة الماضية.. بالضرب - كما يقولون - في (لحم) اليمنيين الحر.. بـ(تدمير) محطات الكهرباء والنقل العالي، وبـ(نسف) أنابيب النفط.. حتى تتوقف حياة اليمنيين تماماً.. فيكون (الغليان) في أشده، وتكون (الثورة) في ذروتها على (المبادرة) وأصحابها و(نتائجها)!! إذ إن هدم المباني وتدمير المكاتب.. ليس موجعاً أو مؤثراً بالقدر الكافي على حياة اليمنيين.. من وجهة نظرهم المريضة، حتماً!!

* * *

وقد عالج الرئيس عبد ربه - كان الله في عونه - أزمتي الكهرباء والمحروقات الخانقتين، اللتين لم تشهد (اليمن) مثلهما من قبل.. بـ(تعديل وزاري) محدود لم يكن في سياق الأزمتين.. حقيقة، إذ إن أسباب الأزمتين.. لم تكن فنية إدارية أو نتيجة قصور في أداء هؤلاء الوزراء الذين تمت تنحيتهم.. بقدر ما كانت (أمنية) في مقامها الأول والأخير: فأين أبناء القوات المسلحة ورجال الأمن.. من حراستها أمام هذه الاعتداءات المتكررة - من قِبَل هذه القلة وأذنابها والمأجورين بأموالها - على المنشآت الكهربائية والنفطية: سواء بمنعهم أو إلقاء القبض عليهم وتقديمهم لـ(العدالة)..؟

على أن هذا التعديل الوزاري.. قد أخل - فيما يبدو - بـ(معادلة) المحاصصة في (وزارة الوفاق الوطني) المكونة - أصلاً - من خمسين بالمائة من حزب المؤتمر الوطني العام، وخمسين بالمائة من أحزاب المعارضة اليمنية، وهو ما أغضب رئيس حزب المؤتمر.. الرئس السابق علي عبدالله صالح - المتنازل عن بقية فترة رئاسته لـ(الجمهورية) لصالح المبادرة ورؤيتها التوفيقية -، وأحدث شرخاً بين (الرجلين): الصديقين والمناضلين اللذين حافظا على دولة (الوحدة الاندماجية).. طيلة سبعة عشر عاماً - «الصالح» برئاسته، و«عبد ربه» بنيابته -، وإلى أن دارت عجلة (المبادرة) بتنازل الأول وانتخاب الثاني لرئاسة الجمهورية.. سرعان ما تعمّق إلى أن أدى إلى اتهام الرئيس عبد ربه.. لـ(الصالح) بالتآمر عليه!! واتهام مسجده (الصالح) بتشكيله بؤرة قتالية تهدد النظام والصيرورة التي ستنتهي إليها (المبادرة) مع إغلاق قناته الفضائية (اليمن اليوم)..! وهو أمر مؤسف.. يحتاج فعلاً للاستنجاد بتلك الأيام النضالية المشتركة التي جمعت بين الرجلين، لتجاوزها وتخطيها في هذه الشهور المفصلية التي يفترض أن يودع (اليمن) فيها مرحلته (الانتقالية) إلى مرحلته الشرعية الجديدة.. مرحلة الاستقرار السياسي والتنمية المستدامة: قاطرة إخراج اليمن.. من بوائقه..!!

* * *

إن استمرار الاستناد إلى (الحكمة اليمانية) في هذه الشهور القادمة والتي قد تمتد لعام.. لن يكون مجدياً مع هذه القلة الضالة بقدر ما كان عليه الحال طوال شهور الحوار الوطني مع عقلاء الأمة ونخبها، فوزارتا (الدفاع) و(الداخلية) اليمنيتان.. ليستا فوق المساءلة والمحاسبة.. بل واتهامها بـ(التقصير) في صد تلك الهجمات المتكررة والممنهجة على محطات الكهرباء وأنابيب النفط..!! فما لا يُوزع بـ(القرآن).. يُوزع بـ(السلطان).. وقد حان دور (الحزم الرئاسي) لمواجهة هذه الأيام الحرجة والدقيقة من عمر (المبادرة).. ومن عمر الجمهورية الفيدرالية المرتقبة..؟!

مقالات أخرى للكاتب