Wednesday 06/08/2014 Issue 15287 الاربعاء 10 شوال 1435 العدد
06-08-2014

قراءة شرعية في تهجير تنظيم «داعش» للنصارى في الموصل

في كل نازلة من نوازل الأمة وكل خطب جلل من خطوبها، ندرك الجهل الذي يسيطر على الذهنية وغربة الإسلام في مثل هذه التنظيمات وفكرها العاطفي الذي يبتعد بمتحمسيها عن الإسلام الحنيف وسماحته، وهي تحسب أنها تحسن الصنع وأنها تقترب من الله جلّ وعلا:

قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (103 -105) سورة الكهف.

إن هذه القضايا التي ابتلي بها المسلمون وزلزلوا زلزالاً شديداً، وأصبحت مثل هذه المغامرات تصد عن سبيل الله جهاراً نهاراً ولا تحقق أي مزية للدعوة، وأصبح هذا الأسلوب الحركي والحزبي غير مقنع لدخول الناس في دين الله، وتراجع مؤشر التأثير الدعوي في حياة البشرية التي فتحت مصراعيها رغبة في الإسلام وشرائعه التي تدعو للتسامح، والكارثة أنّ العالم فتح عواصمه ودياره ومدنه للدعاة وسمح بنشر المراكز الإسلامية في العالم، مما يتطلب منا إعادة النظر في كثير من مسائل جهاد الطلب، ومن أكبر الكوارث التي شوهت هذا الدين العظيم وجاءت على خلاف ما كان عليه من قواعد التسامح والتعايش، ما يسمّى تهجير المسيحيين من بلادهم، فهذه المرة تم تهجيرهم من العراق ومن الموصل تحديداً وغداً سيطالب المغامرون بتهجيرهم من مصر وهكذا، وتسليطاً للضوء على هذا التهجير القسري لا بد من مراعاة الجوانب الشرعية التالية:

1 - في الجانب الدولي هناك ما يثير العجب من السكوت عن هذا الجرم الشنيع الذي لا يقره الإسلام، وكأنه يعطي مؤشراً على عبث الأيدي الاستخباراتية في مصير شعوبنا العربية وتفتيت بلادنا العربية ونشر الفوضى غير الخلاقة في جوانبه من خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير، برعاية مثل هذه التنظيمات والمليشيات والعصابات دون إدانة من الحكومات الغربية والهيئات الدولية التابعة لها، بينما نلاحظ في المقابل التنديد بتصرفات أقل خطراً من التهجير القسري...

2 - كانت هناك دعوات من بعض المسؤولين الغربيين للمسيحيين العراقيين للعيش في أوروبا كدعوة الرئيس الفرنسي هولاند وقبله ساركوزي، بحجة أنّ مكانهم الطبيعي في غير المشرق، ونسي هؤلاء أن المسيحية كلها نزلت على أهل المشرق وأن مهبطها على سيدنا المسيح عليه السلام كان في المشرق، ولذلك لم يجد المسيحيون مشكلة حول سبل العيش الكريم في ظل الإسلام المعتدل، وأما في ظل هذه التنظيمات السرية المشبوهة فلا يجد العيش الكريم أهل الإسلام وأهل الكتاب على السواء، والنصوص كثيرة التي تدل على عدل الإسلام مع هؤلاء المسيحيين ابتداءً من العهدة العمرية وفتح بيت المقدس على يد سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وليقرأ من شاء شهادة غوستاف لوبون في كتاب حضارة العرب...

3 - المسيحيون العرب في لبنان وسوريا وفلسطين والأردن والعراق ومصر وغيرها مكوّن رئيس من مكونات المجتمع العربي، وأبلوا بلاءً حسناً في قضايا الأمة الإسلامية وقدموا من التضحيات ما يشكرون عليه، وكثير منهم ناضل من أجل الاستقلال الوطني والوحدة العربية، وكثير منهم تجاوز الانحياز المذهبي وهام عشقاً في العروبة والإسلام، وتفريغ الموصل من مسيحييها جريمة كبرى لا تغتفر وخطيئة لا يقر بها الإسلام العظيم، ولا ترضاها النخب الدينية والسياسية...

4 - وردت النصوص الشرعية بالتوصية بالقبط وهم نصارى مصر، وليس هناك مانع من الاهتمام بنصارى الموصل وغيرهم، إذ أورد الشيخ الألباني - رحمه الله - في «السلسلة الصحيحة» برقم: (1374) تحت عنوان: «التوصية بالقبط وسببها»: «إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، فإنّ لهم ذمة ورَحِماً»، ولا يلتفت إلى من رد على الشيخ في قوة الاستدلال بالحديث. وعلى المسلمين ألا ينسوا سيدتنا هاجر أم إسماعيل وكذلك أم سيدنا إبراهيم مارية فهما قبطيتان، وألا ينسوا سيدتنا صفية بنت حيي بن أخطب سيد اليهود، فأهل الكتاب لهم رحم ونسب، فهن أمهات المؤمنين وكفى بذلك شرفاً.... ويفهم من هذا الحديث أنّ الإسلام لا يشيطن هذه الأجناس ولا يكرهها، وقد فرض عليهم الجزية مقابل فرض الزكاة على المسلمين، بل إنّ الزكاة لا تسقط عن المسلم في حين أنّ الجزية تسقط إن كان في المسلمين ضعف وهوان أو كان الكتابي فقيراً، فهي مقابل حمايته وحفظ ضروراته الخمس، وارتضى الإسلام منهم هذا حتى يدخلوا في الإسلام عن قناعة واختيار وليس جبراً...

5 - على مر التاريخ الإسلامي لم يطرد المسلمون النصارى ولم يفرغوا الأراضي من أهاليها، وعاش النصارى واليهود في ظل الحكم الإسلامي الذي وضع ضوابط عيشهم في ما يسمّى بجزيرة العرب فقط، بخلاف غيرها من بلاد المسلمين كالعراق ومصر والشام، وقد فصل العلماء في ذلك اعتماداً على شواهد ومرويات تثبت وجودهم بحسب الطرق الشرعية..

6 - نص العلماء على عدم شرعية معاقبة آحاد طائفة بسبب ما يقترفه بعض أفراد تلك طائفة، فلا تزر وازرة وزر أخرى، وليس من العدل والتقوى المأمور بهما أن يحل العذاب بمن لم يقترفه، قال العلامة ابن كثير في أحداث سنة 767هـ... وبالفعل انطلقت الحملة الصليبية القبرصية يقودها بطرس الأول بنفسه ووصلت إلى الإسكندرية يوم الأربعاء 22 محرم سنة 767هـ كان من صدى الحملة أيضاً عند المسلمين، مما دفع السلطان الأشرف لأن يصدر قراراً بالقبض على نصارى الشام ومصر كلهم، وأخذ ربع أموالهم لعمارة ما خرب من الإسكندرية، ولتجهيز جيش جديد وأسطول بحري لغزو قبرص واستنقاذ أسرى المسلمين، ورغم أ نه قرار سلطاني وبحق النصارى الذين قام إخوانهم في الصليب بارتكاب تلك المجزرة، إلاّ أنّ أهل العلم ومنهم العلاّمة ابن كثير، قد رفضوا هذا القرار وأوضحوا أنه لا يجوز شرعاً. وهذا موقف أهل الإسلام المنصف...

7 - مبدأ الجزية من باب المعاملة بالمثل آنذاك كالعبودية والرقيق والسبايا، فحاكم مسلم يرفعها وحاكم آخر يقرها بحسب المصلحة والمعاملة، وليس نظاماً أساسياً من أنظمة الدولة في الإسلام بل يتطور بتطور العلاقات والظروف التي تجعل الدولة في حل من إسقاطها، حين تكون مصلحة الدولة في ذلك، وللحاكم المسلم أن يراعي هذا بما يتفق مع مفهوم الدولة في العصر الحديث، والقائم على عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن، ولذلك تقبل مسمّى الضريبة أو ما في حكمها ولا تقبل الجزية فئات من المواطنين الذين يرتبطون برابطة الولاء للدولة مع مخالفتهم لجمهور الشعب في عقيدته، وقد يفرض عليهم ضرائب أو ما في حكمها استحقاقاً مجتمعياً عليهم دون إهانة لآدميتهم وإنسانيتهم، وعطفاً عليه يجب تحرير كتب الفقه من أساليب الإهانة والصفع والرفس واللبس والزي المخالف، وكل أحكام أهل الذمة التي لا يقرها الإسلام، تفسيراً لقوله تعالى: حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) سورة التوبة، إن ذلك مندفع بما قرره العلماء من أن الجزية لا تفرض إلا على من أعلن عداءه للدولة وهو من غير أبنائها، وخير دليل على أن مفهوم الجزية ليس نظاماً أساسياً أن سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب تصرف فيه بما يؤكد رعاية المصلحة في إقراره من عدمه. قال ابن قدامة في المغني:» مسألة؛ قال: ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب، وتؤخذ الزكاة من أموالهم ومواشيهم وثمرهم، مثليْ ما يؤخذ من المسلمين بني تغلب بن وائل، من العرب، من ربيعة بن نزار، انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية، فدعاهم عمر إلى بذل الجزية، فأبوا، وأنفوا، وقالوا: نحن عرب، خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة. فقال عمر: لا آخذ من [ص: 275] مشرك صدقة. فلحق بعضهم بالروم، فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين، إنّ القوم لهم بأس وشدة، وهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تعن عليك عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة. فبعث عمر في طلبهم، فردهم، وضعف عليهم من الإبل من كل خمس شاتين، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعين، ومن كل عشرين ديناراً ديناراً، ومن كل مائتي درهم عشرة دراهم، وفيما سقت السماء الخمس، وفيما سقي بنضح أو غرب أو دولاب العشر. فاستقر ذلك من قول عمر، ولم يخالفه أحد من الصحابة، فصار إجماعاً.

8 - في بحث « الجزية في ظل الدول الإسلامية اليوم « لمؤلفه الدكتور حمزة عبد الكريم حماد، عرض المؤلف هذه المسألة وذكر آراء الفقهاء المعاصرين الذين تكلموا في هذه القضية ووقف على أقوالهم، وحكى إجماعهم على سقوط الجزية عن أهل الكتاب في هذا العصر، وعطفاً عليه يحرم تهجيرهم من بلادهم فهم مواطنون من الدرجة الأولى ولكن عليهم أن يراعوا مشاعر المسلمين وهذا حق على ولي الأمر، وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في علة ذلك على النحو التالي:

أ- الجزية لا تفرض إلا على من قاتل، أما المواطنون من غير السلميين ممن لم يحاربوا الدولة فلا تفرض عليهم، ومبنى ذلك على أنّ القتال لا يشرع في الإسلام إلا للدفع فقط فنقاتل من قاتلنا، بدليل قوله تعالى: وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ (190) سورة البقرة، وقد يكون هناك ملحوظات على تعميم هذا يحتاج إلى علماء ربانيين يقررون ذلك.

ب- الجزية إنما شرعت في الإسلام بدل الدفاع عنهم والحماية لهم. ولذلك جاء في عهد خالد بن الوليد لأهل الحيرة: «أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وأعيل من بيت مال المسلمين وعياله»، وقد طبق عمر رضي الله عنه هذا المبدأ الإسلامي العظيم حين مر بشيخ كبير يسأل الناس الصدقة، فلما سأله وعلم أنه من أهل الجزية، أخذ بيده إلى بيته وأعطاه ما وجده من الطعام واللباس، ثم أرسل إلى خازن بيت المال يقول له: «انظر إلى هذا وأمثاله فأعطهم ما يكفيهم وعيالهم من بيت مال المسلمين فإنّ الله يقول: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ (60) سورة التوبة والفقراء هم المسلمون، والمساكين هم أهل الكتاب». وعطفاً عليه فقد أجمع الفقهاء الذين استدل بقولهم الباحث الدكتور حمزة، بأنه في العصر الحديث يشترك الذميون في الدفاع عن الوطن مع المسلمين فتسقط الجزية عنهم أو يمنع وجوبها أصلاً، ويستدل صاحب هذا القول بمجموعة من الأحداث التاريخية. وقد يعبّر بعضهم عن الجزية بأنها بدل مالي عن الخدمة العسكرية المفروضة على المسلمين. إن أبا عبيدة بن الجراح لما فتح أنطاكية ولى عليها (حبيب بن مسلمة) الفهري فغزا الجُرجُومة فلم يقاتله أهلها، ولكنهم طلبوا الأمان والصلح، فصالحوه على أن يكونوا أعواناً للمسلمين وعيوناً ومسالح في جبل اللكام وأن لا يؤدوا الجزية، ودخل من كان في مدينتهم في هذا الصلح، كما في فتوح البلدان للبلاذري.

ج- علل بعض الفقهاء بأنّ الدول الإسلامية تعرضت للاحتلال الأجنبي؛ وعجز المسلمون عن حماية أنفسهم فضلاً عن ذمتهم وهذا مسقطٌ للجزية.

9 - يجوز للإمام أن يعفي أهل الكتاب من المسيحيين واليهود منها جميعاً كما فعل أبو عبيدة حين أسقط الجزية عن أهل السامرة بالأردن وفلسطين، وكما أسقط عمر الجزية على ملك شهر براز وجماعته لقاء اتفاقه معهم على قتال العدو، وكما أسقط معاوية الجزية عن سكان أرمينية ثلاث سنوات، كما يجوز إعفاء كل ذمي دخل في الجيش الإسلامي أو قدم خدمة عامة للدولة، وهي أحكام مسلّمة معروفة في الفقه الإسلامي.

وعطفاً عليه فإنّ تهجير نصارى الموصل جريمة يبرأ منها الإسلام ولا يقرّها أهله المنصفون العادلون، وكذلك يستحضر في مسألة فرض الجزية على المواطنين اليوم فهم الصحابة رضي الله عنهم للجزية وإسقاطهم لها، في مواقف تؤكد على أننا في حالة يجب أن يراعى فيها ضعف المسلمين وتشويه الإسلام ومن قاتلنا ومن لم يقاتلنا ومن قاتل معنا، وبخاصة أنّ سيدنا عمر بن عبد العزيز قال عبارته المشهورة: «إن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً»، لما رأى بعض الولاة أن أهل الذمة يدخلون في الإسلام هرباً من الجزية، لم يقبلوا منهم ذلك... رحم الله خلفاء الإسلام الذين أثبتوا فهمهم للدين ومنهجهم الإنساني الذي يتفق مع قواعد الإسلام فبلغوه ولم يصدوا عن سبيله بمغامرات واجتهادات ساذجة، وكان الله في عون المسلمين والله من وراء القصد.

abnthani@hotmail.com

مقالات أخرى للكاتب