23-08-2014

في «تويتر» الاختلاف يفسد للود قضية

كثيرا ما نتداول في أدبياتنا وعلى المستوى النظري تلك العبارة الانفتاحية المتسامحة «الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية» لكننا وعند أول بادرة للخلاف نتداعى وفي تنافس مارثوني محموم إلى لغة اقصائية مفعمة بروح التخندق والعراك!

كثيرا ما يجنح أحد العلماء أو طلبة العلم أو المتصدين للخطاب الإصلاحي إلى اصطفاء قول فقهي فيصدّره يجعل له الصدارة ويتعاطى معه بوصفه راجحا على ما عداه كسلوك فقهي مألوف مازال يتعاطاه أولو العلم حيث كانوا ومازالوا يتباينون في آرائهم الفقهية حتى إن العالم نفسه قد يختلف موقفه الفتوائي من حين إلى آخر بل قد يُنقل عن العالم عشر روايات في المسألة الواحدة كما يشير إلى ذلك أبوبكر الخلال في نقله عن الإمام احمد وهذا الأمر أشهر من أن يذكر.

غير المألوف هنا في هذا السياق هو التعاطي مع الاختيارات الخاصة للعلماء بلغة حدية تتكئ على الاستقطاب وتؤسس لأجواء سجالية عاصفة محتقنة وقائمة على النفي والنفي المضاد.

الرد العلمي على المخالف ومحاورته بآلية ممنهجة تتجافى عن الشخصنة هو أمر جوهري بل يفترض التعاطي معه بقدر مكثف من الحفاوة بوصفه سلوكا يثري الحراك الحواري ويحرك الساكن الفقهي ويضبط إيقاع التوازن الجدلي العام، لكن الاشكالية هنا وكما نشاهد في فضاءات التويتر أن الحوار قائم على مبدأ «ما أريكم إلا ما أرى» وهذا هو ما جعلنا أمام حالة من صخب المعارك وضجيج المشاحنات فالمخالف هنا مدان وبأعلى درجات الإدانة، التهمة هنا ناجزة لا لشيء إلا لأنه نحا منحى لا يتماهى مع المستقر في ذهنية المتلقي البسيط على نحو يحدوه لينبري للرد وبتغريدات تويترية تجنح للشخصنة وتوغل في الشتائمية وارتكاب ألوان من الجناية في حق الحالة المعرفية وعلى نحو يكرس لحالة اصطفافية تغيب الخطاب العلمي لصالح الخطاب الهجائي الذي لا تروج مفرداته الهابطة إلا في أسواق الحمقى!

هذا الطرح القائم على الهجاء المقذع هو ما يبعث على التساؤل والاستغراب إذ كيف لك أن تنكر على مخالفك وقد يكون اسما من المعيار الثقيل في الوسط الفقهي كيف تنكر عليه في مسألة هي أصلا فيها خلاف، هي أصلا مسألة اجتهادية وغير محسومة، ما تنكره هو أمر مختلف فيه، لكن أسلوب إنكارك هو أمر مجمع على تحريمه، وبالتالي فمن الأولى بالإنكار عليه إذن والاحتساب على تجاوزاته؟!

معظم الأحكام ظنية والفقه «من باب الظنون» كما يقرر الأصوليون كـ(أبوبكر الباقلاني) والترجيح محكوم بالنسبية وقديما قيل: «كلما كثر علمك قل إنكارك»

المكون الفقهي بطبيعته ذو ملمح بشري وهو قابل للمداولة ومراوحة النظر وبالتالي فمغادرة الرأي إلى نقيضه وممارسة لون من الترحال الفقهي أمر وارد، وقد كان (مكحول) الفقيه الشامي الذائع الصيت لا يفتي كما في (وفيات الأعيان) حتى يقول: «هذا رأي والرأي يخطئ ويصيب» والإمام (مالك) «نجم السنن» كما يصفه بذلك (الحافظ العراقي) في ألفيته اللافتة كان هو الآخر إذا أفتى يذيل الفتوى بقوله: {اِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} (32) سورة الجاثية.

abdalla_2015@hotmail.com

مقالات أخرى للكاتب