28-08-2014

الفساد العنصري

أنوع الفساد في مجتمعنا لم تعد محصورة في الفساد الإداري والمالي، بل تجاوزت تلك الأنواع لتشمل أنواعاً أخرى متعددة، مثل الفساد الأخلاقي والسياسي واللغوي، وكذلك الفساد العنصري، الذي انتشر في كثير من المجتمعات، ويتم من خلاله انتهاك الأنظمة والقوانين من أجل تمييز فرد أو فئة أو مجموعة معينة،

وتفضيلها على باقي الفئات الأخرى، لا لقدرتها أو مهاراتها أو كفاءتها، بل لأنها تنتمي لجماعة ما، أو أنها ترجع لعرق ما.

والعنصرية «أو التمييز العرقي»، وهي بالإنجليزية Racism‏، في مفهومها العام هي الاعتقاد بأن هناك فروقاً وعناصر موروثة بطبائع الناس و/ أو قدراتهم، وعزوها لانتمائهم لجماعة أو لعرق ما، بغض النظر عن كيفية تعريف مفهوم العرق، وبالتالي تبرير معاملة الأفراد المنتمين لهذه الجماعة بشكل مختلف اجتماعياً وقانونياً.

ولا يوجد لدينا - للأسف - قانون واضح يحاسب على التصريحات أو الأفعال التي تؤيد التميز العنصري، كما أنه لا يوجد من يجرم كل من يمارس العنصرية أو يحث على الكراهية؛ لذا أصبح هذا الأمر منتشراً، وخصوصاً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح هذا الجرم أشبه بالمباح في وطن قدوتنا فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي قال معاتباً «إنك امرؤ فيك جاهلية»، رافضاً بذلك أحد أمثلة العنصرية، وكان مبدؤه عليه الصلاة والسلام لمحاربة هذا الداء «لا فرق بين عربي ولا أعجمي، ولا أبيض ولا أسود، إلا بالتقوى».

ومظاهر الفساد العنصري لم تعد تقتصر على بعض التصريحات أو التصرفات في المجال الرياضي، بل أصبحت متعددة وبأشكال مختلفة، شملت المنشآت الحكومية والقطاع الخاص، بل حتى مدارس الأطفال.

وهناك أنواع متعددة للفساد العنصري، كالعنصرية اللونية. فبعض الناس ما إن يرى أحد الأفراد من ذوي البشرة السوداء إلا ويتجهم ويستاء، ويبدأ في التنابذ بالألقاب متجاهلاً أن مجتمعنا كان فيه من الصحابة والتابعين من كانت بشرتهم سوداء، مثل سيدنا سعيد بن جبير، وسيدنا بلال بن رباح، وسيدنا أسامة بن زيد، وكلهم - رضي الله عنهم - كانوا من أهل العلم والورع. ومنها عنصرية القبيلة، وهي عنصرية جاهلية من قبل الإسلام، غير أن منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - وضع حدًّا لهذه العنصرية آمراً أصحابها بتركها؛ فهي منتنة «دعوها فإنها منتنة». فالشرع والدين فوق القبيلة والانتماء. ومنها العنصرية المنتشرة من خلال عدم الزواج من خارج الأسرة أو خارج إطار معين مرتبط باللغة أو العادات.. فهناك من يتجاهل هذا الأمر، ويتجاهل قوله عليه الصلاة والسلام «من ترضون دينه وخلقه فزوجوه»، ويطالبون بزوج من الأسرة أو القبيلة نفسها، والبعض يتحيز لأصدقاء معينين، ينتمون لفئة معينة، أو يكونون من طبقة معينة، ولا يسمحون لأي أحد يقل عن طبقتهم بأن يجلس أو يتحدث معهم، بل إن العنصرية أصبحت موجودة حتى في النكت التي أصبحت ترتبط بجنس معين، أو قبيلة معينة.

وكل مظاهر الفساد تلك تساهم بشكل أو بآخر في وجود الفرقة والتناحر والضعف فيما بيننا.

هذا كله يحدث في ظل غياب توعية الناس بحقوقهم في هذا المجال؛ إذ إن كثيراً ممن يعانون من التمييز العنصري يفضلون الصمت والسكوت على المطالبة بحقوقهم في هذا المجال، بل بعضهم تأقلم على أن يتلقى الإهانة؛ لأنه لا يعرف كيف يمكن أن يدافع عن نفسه، ولا يعرف أن مثل هذا الفساد هو جرم يحاسَب عليه صاحبه. وهذا كله ساهم في انتشار مثل هذا الداء لعدم وجود أي رادع.

في الدول الأوروبية يعدّ التمييز العنصري إحدى الجرائم الكبرى التي يعاقب عليها القانون، واتُّخذت إجراءات صارمة لمحاسبة جميع من ينال من الأعراق أو الطوائف أو الأقليات، ووُضعت العديد من الوسائل لمكافحة مثل تلك التوجهات، والترصد لكل من يحاول شق الصف الوطني أو التأثير في الكيان الاجتماعي. وفي الحقيقة، نحن أولى أن نضع مثل هذه القوانين، سواء لمكانتنا الدينية في العالم الإسلامي والعربي، أو لوجود التنوع الكبير في النسيج الاجتماعي في أرجاء وطننا الغالي.

إننا نسعى لتنمية وطننا، وتطوير خدماته، وجعله في مصاف الدول المتقدمة.. ووجود مثل هذا الفساد فيما بيننا لن يساهم في تقدم مجتمعنا؛ ولذلك كان لا بد علينا من وضع القوانين اللازمة لمحاسبة كل من يساهم في نشر مثل هذا الداء حفاظاً على مجتمعنا، وسعياً منا لتطوير وطننا، وجعله من الدول المتقدمة، وحمايته من الفساد.

مقالات أخرى للكاتب