د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
التحية الواحد من التحيّ، قال أبو حيان «وأما قول الشاعر:
حتّى اتَّقوْها بالسَّلام والتَّحِيّ
فهو جمع تَحِيَّة كتَمْر وتَمْرَة»(1) ، والمشهور جمع(تحيَّة) جمعًا سالِمًا بألف وتاء،(تحيّات) ، وهذا قياس في ما ختم بتاء تأنيث؛ ولكنَّ(تحيّة) تجمع جمع تكسير على(تحايا) ، قال المطرزي «و(حيّاه) بمعنى أحْياه(تحيّةً) كبقّاه بمعنى أبقاه تَبقِيةً، هذا أصلها، ثم سمّي ما يُحيّا به من سَلام ونحوه تحيّةً. قال تعالى:(تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ) [44-الأحزاب]. ولذا جُمعت فقيل(تحيّاتٌ) و(تَحايا) ، وحقيقة(حيَّيتُ) فلانًا: قلتُ له حيّاك اللّه أي عمّرك وأحياك وأطال حياتك، كقولهم:(صلّى على النبيّ عليه السلام) إذا دعا له، معناه قال له: صلّى اللّه عليكَ»(2) .
والفعل(حَيّا: يُحيّي) ثلاثيّ مزيد بالتضعيف، مثل(جرّب، وقدّم) وله مصدران على بناء(تَفْعِيل) و(تَفْعِلَة) ، تقول: جربت تَجْرِيبًا وتجْرِبَةً، وقَدَّمت تَقْدِيمًا وتَقْدِمَةً. وأما(حَيّا) فمصدره(تَحِيَّة) على(تَفعِلَة) ، ولم يذكر سيبويه سوى هذا البناء قال «وهي تَفْعِلَةٌ»(3) . ويفهم من ذلك أنه أُهمل المصدر على(تفعيل) ، قال الفارسي عن مصدر(حيّا) إنه «على ضربين: على(تَفْعِلة، وتَفْعيلٌ) ، إلا أن(تفعيل) يرفض هاهنا كما رُفض(عُطَيّ) في تصغير(عطاء) ، فاستعمل تَفْعِلة، وأدغمت الياء التي هي عين في الياء التي هي لام، وألقيت حركتها على الفاء»(4) .
وبين ابن عصفور أن الأصل(تَفْعيل) والفرع(تَفْعِلة) ، وعلّل الاقتصار على(تَفْعِلَة) قال «فإن كانت التاء عِوَضًا فإنه لا يجوز إِلَّا الإدغام، نحو: تَحِيَّة مصدر(حَيَّا) . الأصل(تَحْيِيْيًا) ، فحُذفت ياء(تَفعِيل) ، وعُوِّضت التاء منها على حدِّ تَكرِمة فصار(تَحْيِية) فصارت هذه التاء لأجل العِوَضيَّة كأنها جزء من الكلمة فلزمت، فصارت الحركة لازمة لذلك، فلزم الإدغام»(5) .
ولهذا اللزوم الذي ذكره ابن عصفور نُسب إلى(تحيّة) كما نُسب إلى الاسم على(فَعيلة) ، قال الفارسي «قال سيبويه: وإذا نسبت إلى تحيَّة قلت تحَوِيّ، وتحيّة: أصلها تَفْعِلة؛ لأنه مصدر(حيّا) وأصلها تحْيِيَة، ألقوا كسرة الياء الأولى على الحاء، وأدغموا، وصار لفظها كلفظ(فَعيلَة) ؛ لأن ثالثها ياء ساكنة قبلها كسرة فنسبوا إليها كما ينسبون إلى فَعيلة»(6) .
وأما الجمع فعلى بناء(تَفَاعِل) ، تقول: تجرِبة وتَجارِب، قال ركن الدين الإستراباذي «وقياس جمع تَفْعِلة(تَفَاعِل) بكسر العين»(7) . إذن تحيّة جمعها تحايِي، مثل(مَعيشة) جمعها(مَعايِش) ، قال تعالى(وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيْهَا مَعَايِشَ) [20-الحجر].
ولما كان لفظ(تحية) كلفظ(فَعيلة) ؛ إذ «أجرى فيها الأصل مُجرى الزائد»(8) عوملت معاملة(مطيَّة) التي جمعت فقيل(مَطايا) ، وهديّة وجمعها(هدايا) ، وقد أطبق النحويون على قلب الياء ألفًا من تلك المثل، ولثقل اجتماع الياءين بعد الألف في(تحايي) أبدلت الكسرة فتحة: تحايَي، ثم قلبت الياء المفتوحة ألفًا، حسب تعبير الصرفيين لتطرفها بعد فتحة، فصارت: تحايا. والقول الصوتي أنّ الكسرة جعلت فتحة للمخالفة ثم حذف المقطع اليائي وعوّض بمطل الفتحة.
و(التحايا) مستعمل في التراث، في النثر والشعر، ومن أمثلة ذلك: قال المطرزي «وأما «التحيّات للّه» فمعناها أن كلمات التّحايا والأدعية للّه تعالى وفي مَلكَتِه، لا أن هذا تحيّة له وتَسليم عليه، فإن ذلك مَنهيّ عنه»(9) . وقال الجرجاني «واستماع التهاني والتَّحايا من الخُلّان والإخوان»(10) . وقال ابن عربشاه «والإصغاء إلى المديح، والتحايا»(11).
ومن الأشعار قول الشاعر(12):
وَمَا قيل اقطعوها بالتهاني… وتكرار التحايا وَالسَّلَام
وقال أبو عبد الله محمد بن سنان الخفاجي(13):
عرّج على أرض كفْرطاب … وحيّها أحسن التحايا
وقال الشاعر(14):
إني لمهد على أيدي الصّبا سحرا … من التحايا كأنفاس الرّياحين
وقال الشاعر(15):
أقول لرفقة زمُّوا المطايا … ألا هل مبلغ عنِّي التَّحايا
وقد تكون التحية في معنى الهدية قول الصابئ «وَتحمل مَعَ المخلوع عَلَيْهِ التحايا وَالطّيب»(16).
والخلاصة أنَّ(تحيَّة) واحد اسم الجنس الجمعيّ(تحِيّ) ، ثمّ إنَّ(تحيَّة) تجمع جمع سلامة على(تحيات) وجمع تكسير على(تحايا). كما نقول: زهرٌ واحدُه زهرة، وجمعها زهَرات وأزهار.
**__**__**__**__**__**
(1) التذييل والتكميل لأبي حيان، 14/ 230.
(2) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي، 1/ 239.
(3) الكتاب لسيبويه، 4/ 397.
(4) التعليقة على كتاب سيبويه للفارسي، 3/ 165.
(5) الممتع الكبير في التصريف لابن عصفور، ص: 367.
(6) شرح كتاب سيبويه للسيرافي، 4/ 102.
(7) شرح شافية ابن الحاجب لركن الدين الإستراباذي، 2/ 738.
(8) المساعد على تسهيل الفوائد لابن عقيل، 3/ 360.
(9) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي، 1/ 239.
(10) أسرار البلاغة - ت محمود شاكر لعبد القاهر الجرجاني، ص23.
(11) الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم لابن عربشاه، 2/ 530.
(12) يتيمة الدهر للثعالبي، 3/ 90.
(13) معجم البلدان لياقوت الحموي، 4/ 470.
(14) قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان لابن الشعار، 7/ 71.
(15) قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان لابن الشعار، 1/ 207.
(16) رسوم دار الخلافة للصابئ، ص96.