بعد عام ونيف من نشره بمجلة الخليج للتاريخ والآثار التي تصدرها جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بعددها الثامن للعام 1444هـ/ 2023م على الصفحات من 415 إلى 461، وصلني هذا الموضوع التراثي التاريخي القيم بواسطة أحد الأصدقاء، والذي خطه يراع أستاذي الدكتور أحمد عمر الزيلعي - وفقه الله - بعنوان (سوق ثلوث بلعير) كما هو أعلاه.
* في البدء أشكر أستاذنا الكريم على تصديه للكتابة عن هذا الموضوع غير المطروق من قبل بالصفة المنهجية التاريخية والأسلوبية التي نشره بها وفي مجلة متخصصة رائدة!.
ومغتبطاً بهذا التدفق المثري للذاكرة الواعية لشخصه الكريم بالأحداث والمعلومات عن سوق عاش ما يقرب من قرن ونيف على التقريب كما أشار الكاتب..!
* وكما عرف عن أستاذنا اهتمامه بتاريخ وتراث بلادنا - أعزها الله - وتدوينه بصفة خاصة لتراث وآثار محافظته وبعض تاريخها عبر مؤلفاته العديدة في مجالي التاريخ والآثار.
* وقد وفق الأستاذ الدكتور في حفظ ما غاب عن ذاكرة أهل المكان ما خطه قلمه خدمة للأجيال الحاضرة عن تاريخ بلادهم وعن أحد أسواق تهامة المشهور في زمنه في عصرنا الحاضر (سوق ثلوث بلعير) بمحافظة القنفدة بوابة منطقة مكة المكرمة الجنوبية.
* ولعل أول ما لفت نظري إيراد أستاذنا الكثير من المسميات اللهجية المحلية التي يتعامل بها أهل السوق ورواده وسكان المنطقة كل أسبوع وفي حياتهم العامة. وتكاد تلك المسميات وفق علمي أن تختفي بل اختفى معظمها من لهجتنا المحلية وتداولها، لكنه وثق الكثير منها في هذا المبحث التراثي الشيّق ومنها على سبيل المثال لا الحصر (الوعد موعد السوق هبط السوق - تسوّق - صبْل عريش الحوكة - إزار يلبس من السّرة للركبة - الدّكة - لباس ملون يلبسه الشاب أثناء رقصه في هود خِتَانه ويشبه التنورة. المغامي - غِطاء التنور، أو الميفا. الكَمَر - حافظة من الجلد المطرز يلبس في خاصرة الرجل لحفظ النقود الورقية ويشد وسطه - وغيرها كثير).
* أشكر أستاذي القدير على اعتماده صَوَاب اسم القنفدة بالدال المُهْمَلة وليس بالذال المُعْجَمَة كما هو اسمها اليوم.
وهو المُصَحّف عن اسمها الذي نشأت به في موقعها قبل مطلع القرن العاشر الهجري وإن تأخر ظهورها في المصادر التاريخية حتى العقد الأول من القرن العاشر الهجري ذاته. فجاءت القنفدة في معظم صفحات الموضوع. (انظر: غازي الفقيه، المدلول التاريخي لاسم القنفدة ونشأتها. بحث غير منشور. مودع بالجمعية التاريخية بمنطقة مكة المكرمة..!).
* وتقديراً لشرف علم كاتب الموضوع وسبقه تاريخاً وعلماً أسجل بعض الملاحظات التي وجدت من الواجب علي ذكرها رِفْدا لما خطه يراعه وفيما أورده أستاذنا فربما بقي من وجهة نظري ما سنشير إليه في تجاويف وزوايا ذاكرة أستاذنا الحديدية - ما شاء الله تبارك الله - وربما استبقاها عن قصد لترىَ النور في موضوع تراثي آخر ولم يشأ دلقها. أو ضنت بها ذاكرته على متلقي جهده المبارك هذا. ولنضيف ما نعتقده مكملاً في سياق تاريخ السوق نفسه وحواليه للقراء الكرام.
- : ص 415
من المدخل / ورد أن(العِذَقة) فخذٌ من قبيلة المقاعِدة.
فعلى حد علم كاتب هذه السطور أرى أنها - أي قبيلة العذقة - متحالفة مع عِدة قبائل مثلها تحت رئاسة مشيخة شيخ قبيلة المقاعدة. فليس كل مَقعدي عذيقي وكذاك العكس صحيح. وقاعدة المشيخة (بلدة الحبيل التابعة لمركز القوز بمحافظة القنفدة) وإن كانت قرية الصهوة جنوب بلدة الحبيل مقراً لأكثرهم وبلدة الحبيل ليست (مركز الحبيل) التابع لمحافظة رجال المع بمنطقة عسير.
وحال قبيلة العذقة كحال بعض القبائل المتحالفة مع قبيلة القوازية بمركز القوز كقبيلة السمرة وقبيلة المناديل والخوالدة تحت رئاسة مشيخة قبيلة القوازية في مدينة القوز.
ذُكر في الصفحة نفسها اسم الخبت اليماني والخبت الشامي (بالنسبة لضفتي وادي يبة). وربما بعض القراء يجهل معنى اسم الخبت أو الجهة التي هو فيها.
فالخبت: هو الأرض المنخفضة المتسعة البعلية التي تسقى بماء الغيث (المطر) في الأغلب وتكثر فيه مراعي الماشية والسائمة. وقد ذكر الخبتَ الشاعر كثير عزة في بيت شعري له بقوله: (تواهقن بالحجاج من بطن نخلة... ومن عزور والخبت خبت طفيل). (انظر: ديوان كثير عزة).
وذَكر الهمداني اسماً آخر للخبت وعناه في وصفه للطريق التهامي محجة صنعاء هو: (الجو) بين واديي حلي جنوبا ويبة شمالاً (انظر: كتابه صفة جزيرة العرب. طبعة صنعاء ص 303).
وفي ذات الصفحة أيضاً من المدخل ورد ذكر حِلْف بَلْعَيْرْ أو (قيف بلعير) الذي ينتسب له هذا السوق (ثلوث بلعير).
فأتفق مع تعريف أستاذي (لبَلْعَيْر). ونضيف لذلك عُرِف هذا السوق واشتهر بهذا الاسم لأن هناك أسواقاً أخرى باسم الثلوث في أقاليم وجهات ليست بعيدة عن هذا السوق مثل: (ثلوث بني عيسى) في مَدرك لقبيلة بني عيسى الحَربيّة من قبائل حرب شمال شرق سوق ثلوث بلعير. بـ65 كيلاً تقريباً وهناك (ثلوث أمنظر المنظر) شرق سوق ثلوث بلعير في بلاد بني شهر بمسافة تزيد على 80 كيلاً.
أورد أستاذي تقديراً للعمر الافتراضي لهذا السوق بمئة عام قبل سبعينيات القرن الهجري الماضي التي وَعَاها صبياً وكهلاً. ولكنني وفقاً لمصادري الخاصة فالسوق عرف منذ الوجود للعهد العثماني (1289 - 1337 للهجرة) في المنطقة ولا يعرف تاريخ محدد على حد علم كاتب هذه السطور لولادة هذا السوق وإن كانت المؤشرات تدل على وجوده قبل ذلك العهد. وبدخول العهد السعودي الميمون في المنطقة وانضمام القنفدة وما حولها عام 1343 للهجرة تحت راية جلالة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- استمر نشاط السوق عدة عقود وذاعت شهرته في المناطق المجاورة. ولكنه ضعف لاحقاً باسمه هذا لعدة أسباب أشار الأستاذ لبعضها في موضوعه. ونضيف لما قال، فإن نشأة سوق الخميس الأسبوعي ببلدة القوز عام 1371 للهجرة المركز الإداري بديلاً لسوق البلدة القديم في يوم الاثنين من كل أسبوع الذي كان على العهد العثماني يعد سبباً رئيساً لضعف ثلوث بلعير. وذلك لقرب السوقين سوق الخميس وسوق ثلوث بلعير من بعضهما حيث لا تزيد المسافة بينهما على 10 أكيال. ولكون سوق الخميس يوافق موعد الإجازة الأسبوعية الرسمية في المملكة فقد كبر السوق واشتهر وتطور لوجوده بالمركز الإداري بالقوز. وزد على ذلك تنامي حركة السيارات والشاحنات الدائبة على الطريق البري الرابط بين جدة والمنطقة التي سهلت وصول البضائع للبلدات والقرى وأسواقها؛ مما عزز قوة سوق الخميس بالقوز للدرجة التي صنفت هيأة السياحة والآثار هذا السوق رابع ثم ثالث أسواق المملكة الشعبية في العقدين الأخيرين من قرننا الحالي خصوصاً بعد توقف سوق الخوبة جنوب منطقة جازان.. فضعف سوق ثلوث بلعير وتوارى مدة طويلة (تقدر بـ 35 عاماً) وتوارى بعده أيضاً سوق السبت ببلدة الحبيل وقبله توارى سوق الربُوع بقرية الدِّجرية بساحل يبة بمدرك قبائل بني يَعْلَى بمركز القوز. وأصبح سوق الخميس أكبر أسواق المركز وعُدَّ أكبر أسواق إمارة القنفدة (المحافظة) خصوصاً بعد انتقال إمارة حلي من بلدة كياد التي كان بها سوق الأحد في ضفة وادي حلي الجنوبية واستقرارها في بلدة الصفة بالضفة الشمالية لوادي حلي في حدود عام 1386 للهجرة.
وجاء في ص 416 من الموضوع أن سوق ثلوث بلعير أو سوق النواشرة القبيلة وتكرر ذلك في أكثر من صفحة في الموضوع!!
غير أنني وكما علمت من كبار السن المعاصرين للسوق أن ثلوث بلعير بقي باسمه هذا إلى تواريه طيلة أربعة عقود منذ بداية العهد السعودي.
ومعلوم أن قبيلة النواشرة هي إحدى تحالف قبائل حلف بلعير القبلي. كما أضافت مصادري أن السوق كان لكل قبيلة من القبائل الأربع المعروفة ببلعير (القوازية والنواشرة والمقاعدة والشواردة) مهمة إدارة الإشراف على السوق أسبوعاً من كل شهر وتحصل كل قبيلة مقابل ذلك على (الدلالة ما بين 5 و10 % من قيمة المباع من معروضات السوق من الغنم المعز والضان والبقر والإبل والحمير. وتلك الدلالة لا تتجاوز الخمسة ريالات سعودية على الرأس الواحد من الإبل عند بيعه، أما بقية المواشي فدون ذلك. ونتفق مع الأستاذ في قيمة الدلالة (انظر: غازي الفقيه. القوز تاريخ المكان وسيرة الإنسان، ص 305).
ولقد كانت عودة سوق الثلوث للحياة من جديد حدثاً مفرحاً بعد موافقة المجمع القروي بالقوز على عهد رئيسه صالح زيد العميم، فافتتح السوق في مساء يوم الاثنين 22 - 5 - 1413 للهجرة ولكن باسم جديد هو (سوق ثلاثاء يبة - نسبة لوادي يبة - ) في موقع ليس ببعيد عن موقعه السابق الذي كان قريباً جداً من قرية الصهوة. وهنا جاءت النسبة لوادي يبة بدلاً من بلعير الحلف القبلي الذي توارى ذكره. (انظر: غازي الفقيه. المرجع السابق. ص 228).
لا أدري لماذا فات على أستاذنا ذِكر العملات المتداولة في البيع والشراء في سوق ثلوث بلعير فهو يكاد قد أحاط بكل شيء عن هذا السوق بل توسع كثيراً بمعلومات قد لا تخص السوق نفسه. ولأهمية ذلك
نشير إلى أن عملات البيع والشراء خصوصاً ما قبل العهد السعودي أي في العهد العثماني التي من المؤكد التعامل بها في سوق ثلوث بلعير ما اشتهر واستخدم من تلك العملات (الريال الفرانسة -ريال مارياتريزا- وكذلك عملة أبو طاقة والريال أبوطرة ثم الريال المجيدي والعملة المعدنية البقش). وفي الفترة التي دونها أستاذنا عن سوق ثلوث بلعير كانت العملات السعودية المسكوكة داخل المملكة ورقية ومعدنية منذ عهد جلالة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- ثم عهد خلفه الملك سعود بن عبدالعزيز -رحمه الله- وهي المتداولة خصوصاً العملة السعودية المسكوكة منذ العام 1354 للهجرة ثم الأعوام 1370 و1372 و1373وجُدّدَت طبعات هذه العملات ورقية ومعدنية على عهد الملك سعود -رحمه الله-. وقد استخدم أستاذنا في بيعه وشرائه بعض تلك العملات المعدنية وإن كانت قروشاً من مفردات الريال. (انظر: غازي الفقيه المرجع السابق. ص 304 و305).
وكنت أتمنى لو أشار أستاذنا إلى متوسط أسعار بيع الأغنام والأبقار والحمير والإبل لمقارنة ذلك بحالها اليوم.
وهل كان بيع الرقيق يُمارس في السوق نفسه أثناء مشاهداته أم لا؟ لأن عتق الأرقاء جاء بالأمر الوزاري في 9 جمادى الآخرة 1382 للهجرة الموافق 6 نوفمبر 1962م (انظر: وثيقة إلقاء الرق في المملكة العربية السعودية في التاريخ المشار إليه).
في ص 444. ذُكر حضور أمير القنفدة أحمد بن تركي السديري وأخوياه إلى سوق ثلوث بلعير لتنفيذ حكم الجلد في مجموعة من الشباب تجاوزوا الأمر الحكومي بِخِتان السِّنة..!!
وأعتقد أن كاتب الموضوع أستاذي قد التبس عليه الأمر في اسم أمير القنفدة حينذاك، حيث إن الأمير أحمد السديري قد انتهت إمارته على القنفدة في العام 1369 للهجرة وخلفه أميراً للقنفدة الشيخ إبراهيم بن عبدالعزيز البراهيم في مطلع العام 1370 للهجرة وقد يكون هو من حضر للسوق وشاهده الكاتب ومن حضر معه.
وفي الصفحة نفسها ذُكِر اسم كاتب إمارة القوز عبود العمودي -رحمه الله- ولم يُذكر اسم أمير القوز آنذاك فهو منصور بن ناصر الدوسري الذي كان مسمى عمله طارفة ثم ترقى لاحقاً إلى أمير.
وفي صفحة 460 من الحواشي، حاشية رقم (51) ذُكر أن كاتب أغنية (صبيا) أحمد خفاجي..!
والصواب هو الشاعر إبراهيم عبدالرحمن حسين خفاجي من أهالي مكة المكرمة وهو كاتب النشيد الوطني السعودي (سارعي للمجد والعليا) المتوفى يوم الجمعة 6 ربيع الأول 1439 للهجرة الموافق 24 نوفمبر 2018م.
** **
- كتبه: غازي أحمد الفقيه