د. هيا بنت عبدالرحمن السمهري
العنوان وسم لمؤتمر حيوي أنيق افتتح الأربعاء الماضي الموافق 22 من شهر أكتوبر الجاري في رواق جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، بتنظيم مقدر من كلية التربية والتنمية البشرية، بالتعاون مع وكالة الطفولة المبكرة في وزارة التعليم؛ ولمَّا أن الحراك الفكري نحو الطفولة قد توارى فقد اشتاقت لذلك المؤتمر الأذهان، فجاء المؤتمر عودة متجليّة لتوجيه البوصلة نحو عالم الطفولة الذي هو المفتاح المكين لتشكيل الذات، إلا أن المؤتمر تجاوز البدايات ومراحل التأسيس في المنهج والتربية والتعليم، ودخل حياة الطفولة الحاضرة لتوعية الأسر ومقدمي الخدمات باستراتيجيات الأمان الرقمي للأطفال واستثمار التقنية والذكاء الاصطناعي لتنمية مهارات الأطفال، والتعريف بالرفاه النفسي وأبجدياته، ومن ثم تفعيل دور البيئة المدرسية في تحقيق الرفاه والتعافي.
وبإيجاز، فقد كانت فكرة المؤتمر تبحث عن التموضع الاستراتيجي الأجدر لبناء كيانات الطفولة المزدهرة، وقد صافحتنا في كل ذلك لغة نضرة ولحظات أليفة كما هي الطفولة. واصطحب المؤتمر في تشكيله معرضا أورق أيما إيراق توشَّح من التقنية أجمل الأردية وباقتدار أدركتْ المعرض أطواق الكلام ومراكب الحكايات المحفزة نحو مسير الطفولة في رؤية بلادنا العملاقة 2030، وهي وسم وعنوان للمؤتمر واصطفى المؤتمر ورش عمل مصاحبة اهتزت!
ومازالت الطفولة كيانا قابلا للقراءة والتشريح، ويُحمدُ للمتحدثين والمتحدثات في جلسات المؤتمر بأن سمحوا لطروحاتهم أن تستنطق الذاكرة، ثم ترصد لإنشاء جسر بين التنظير والتطبيق..
ويبدو أن امتلاءات المؤتمر تجاوزت عثرات الكرام في تأسيس الطفولة تربوياً! فلابد من رشة خاصة!! ولن أستطرد في مجريات المؤتمر الذي امتلأت به المنصات لأن المؤتمر طرح واقعاً ورسم سياسات تقويم جديدة؛ ولكن أطفالنا الذين يدخلون المدارس عادة ما يبقون كعلامات الاستفهام، وربما خرجوا منها، وهم ما يزالون نقاط وقف غير واضحة، ذلك لأن إشكالية التلقّي في تلك المرحلة المهمة من العمر [مرحلة رياض الأطفال] مازالتْ تحتاج أوقاتا مبهجة أكثر وأغزر؛ فالسرد الروائي وإخراجه في صور فنية مشوقة يمثل أدوارا تربوية حيوية كونه ذلك القالب الذي إذا ما أُحسِنَ اختيار محتوياته فإنه سوف يختزل الكثير من الخبرات والمعارف، ويقدمها للأطفال بشكل مشوق وجذاب وتكتسب حياة الأطفال ونموهم الفكري أشكالاً حسية وإبداعية شتى، وصناعة مجتمعات طفولة نامية من خلال المواقف والتمثيل والتمثل.
كما أن الفنون والسرد في عمومها تصنع من المعرفة زُمرا؛ ومن القيم حُزما؛ ويتصدى لثقافة الصور الاستهلاكية التي غزت فضاءات الأطفال، فنحن نحتاج حتماً إلى أرضية تربوية تحترم وعي الأطفال بالمواقف المدهشة الحية، والقيم النبيلة النامية، وتؤمن بتأثيرها عليهم إذا ما اصطفت كفاصل بين المواقف التي تحترم خصوصية المرحلة.
فواقع المناهج في مرحلة رياض الأطفال يكابد منذ سنوات، وقد جُرّبتْ على العقول الصغيرة أطواق لا قبل لهم بها، تلك المناهج استُنبتتْ من فراغ، واستُبدلتْ فيها موجهات اقتصاد المعرفة بالمحاكاة المقلدة!
ومن خلال واقع المعرفة اليوم وموجهاتها فإن تعليم الأطفال وتربيتهم من خلال الفن القصصي ذي الصبغة الاحترافية مضموناً وشكلاً «المسرح والأفلام الكرتونية وفيديوهات السرد الروائي وسواها من الفنون» مطلب تربوي أكيد، وأن يكون دور الكتابة الفنية حاضراً في صناعة مناهج مرحلة رياض الأطفال، وأن يُستكتب من لهم باع وذراع في مجال السرد القصصي والروائي والسيناريو المسرحي، وأن يُدعم تعليم الأطفال من خلال المسرح والإعلام المرئي، وإن كان شيء من مسرح الطفل موجوداً ضمن منهج التعلم الذاتي اليوم، ولكنه يتوارى خشية طغيانه لأنه لا يملك أدوات الحضور!!.
والعناية بالفن كقاعدة من القواعد الأساسية لبناء المشروع التعليمي الذي يهذب النفوس، وينمي الذوق، ويُحفّز القيم فحقول الغد ليست ممهدة كما يجب لأن تربة اليوم ملوثة بالعنف والخوف الذي يملأ العالم! ورياض الأطفال اليوم حدائق الغرس الأولى فتحتاج إلى غرس وجداني نامٍ تمخر من خلاله بحور المعرفة ويرتفع خطاب الطفولة إلى مسارات أبهى وأحلى وأكثر إقناعاً.
وختاما، عسى أن يكون ازدهار الطفولة في 2030 يتحدث عن ذاته في المؤتمرات، ويختال ضاحكا من الحسن كما هو ربيع البحتري..
بوح الطفولة من وجدان الشاعر.. بدوي الجبل:
وصن ضحكة الأطفال يا رب إنها
إذا غردتْ في ظامئ الرمل أعشبا
ويا رب من أجل الطفولة وحدها
أفض بركات السلم شرقاً ومغربا