الكويت - خاص بـ«الجزيرة»:
قالت الدكتورة سارة بنت ملتع القحطاني أستاذة الدراسات الإسلامية بجامعة الكويت: لسان المسلم لا ينفك من دعاء الله، سواء دعاء ثناء أو دعاء مسألة، إلا أن الاستغفار يعد أهم الأدعية جميعاً، ويعرف الاستغفار بأنه: طلب المغفرة من الله؛ قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تُشـرِك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة».
وأكدت د. سارة القحطاني في حديثها لـ«الجزيرة»: أن الاستغفار من جنس الدعاء والسؤال في ذات الوقت، فالمستغفر ذاكر لربه، داع لربه بمغفرة الذنوب، مأجور، وقد تحصل له المغفرة، أو يصرف عنه شر، أو يحصل له خير، فهو نافع على كل حال، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من داع يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له من الجزاء مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها، قالوا: يا رسول الله، إذا نكثر، قال: الله أكثر»، ولذا كان الاستغفار أعظم أنواع الذكر، قال ابن تيمية: «استغفار الإنسان أهم من جميع الأدعية».
وإنما كان الاستغفار أهم من جميع الأدعية من عدة وجوه:
الأول: التوجيه الشرعي بطلب الاستغفار كثيراً، فقد كثر طلب الاستغفار في القرآن من عدة وجوه: إن الله تعالى أمر عباده به، وحثهم عليه؛ قال تعالى: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ).
إن الله تعالى مدح أهل الاستغفار وأثني عليهم؛ قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
إن الله تعالى ينادي عباده ويدعوهم إلى المسارعة إلى التوبة والرجوع إليه، قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)، وقال تعالى: (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ).
ذكره أن الاستغفار هو شعار الأنبياء والصالحين في قصص القرآن، ومن ذلك أن آدم وحواء عليهما السلام: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، وأن نوح عليه السلام: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، وأن موسى عليه السلام: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال: «والله، إني لأستغفرُ اللهَ، وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»، كما أمر عليه الصلاة والسلام بأن يختم عمله الخاص والعام بالاستغفار، فكان الاستغفار نهاية أمره. قال ابن القيم: «كان صلى الله عليه وسلم يجعل الاستغفار في خواتم الأمور فيقول: إذا سلم من الصلاة: «استغفر الله» ثلاثًا، وإذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك»، وورد الأمر بالاستغفار عند انقضاء المناسك (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ)».
الثاني: إن الاستغفار قرين التوحيد إذ هما جماع الدين، قال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)، وقال: (أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ). ويروى أن الشيطان قال: أهلكت بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
ولذا لا ينتفع بالاستغفار -في الدنيا والآخرة- إلا المؤمن سواء دعا بالمغفرة لنفسه أو دعا بها لغيره من المؤمنين، أما الكفار فلا ينفعهم الاستغفار سواء دعوا به لأنفسهم أو دعا لهم به غيرهم من المؤمنين- إلا فيما يتصل بالنجاة من عذاب الدنيا-، بخلاف سائر الأدعية -كالعافية والرزق ونحوها- ينتفع بها المؤمن والكافر سواء دعوا به لنفسهما أو لغيرهما.
يشهد لذلك قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)، وأيضا ما ورد في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «استأذنت ربي في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي»، وفي الصحيح أنه قال لأبي طالب: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك»، فأنزل الله: «ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم»، وفي الصحيح أيضا أنه صلى على ابن أبي وألبسه قميصه وتفل في فيه واستغفر له، ثم قال: «وماذا يغني عنه ذلك من الله؟».
قال ابن تيمية: «إن استغفاره -أي المؤمن- لنفسه يُغفَر له به جميعُ الذنوب إذا كان على وجه التوبة، حتى إنّ الكفّار إذا استغفروا لأنفسهم نفعَهم ذلك، وكان سببَ نجاتِهم من عذاب الدنيا، وعذابُ الآخرة إنما يُنجي منه الاستغفار مع الإيمان، وهذا أيضًا من خصائص التوحيد، فإن اَلمكلَّفَ لا ينفعُه توحيدُ غيرِه عنه، ولا يُنجِيه ذلك من عذاب الله عز وجل، بل لا يُنجيه إلاّ توحيدُ نفسِه، ولا ينفعُه مع عدمِ التوحيد الاستغفارُ عنه، بل لا ينفعُه إلا استغفارُه الذي تضمن توحيدَه وتوبتَه من الشرك. فصارَ الاستغفارُ مقرونًا بالتوحيد من بدايةٍ، لا تُقبَل النيابةُ فيه ولا يُهدَى إلى الغير إلاّ إذا أتى هو به، فإذا كان هو من أهل ذلك نفعَه حينئذٍ ما يريدُه غيرُه من ذلك، بخلاف الأعمال والأدعية التي تُفعَل عن الغير وتُهدَى له وإن لم يأتِ بأصلِها».
الثالث: حاجة الإنسان للاستغفار أكثر من حاجته لسائر الأدعية.
تظهر حاجة الإنسان للاستغفار في كونه يحقق عدداً من الثمرات والفوائد التي لا يستغني عنها العبد، من أهمها:
تكفير السيئات ورفع الدرجات؛ فحيث إن العبد يتلبس بالذنب من حيث يشعر أو لا يشعر فهو في حاجة إلى الاستغفار كل حين لتكفير السيئات ورفع الدرجات. قال الله سبحانه وتعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا)، وقال تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم»؛ بل إن الله تعالى ينادي عباده في الثلث الأخير من الليل قائلًا: «من يستغفرني فأغفر له».
يرفع العبد من المقام الأدنى إلى المقام الأعلى، ومن الناقص إلى التام، ومن المكروه إلى المحبوب؛ فعن أبى هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب، أنَّى لي هذه؟! فيقول: باستغفار ولدك لك».
إنه سبب لرفع البلايا؛ فقد قال الله تعالى في شأن نبيه يونس عليه السلام: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)، ووصف تسبيحه في آية أخرى بأنه: (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ).
إنه سبب لجلب الرزق وسعته والإمداد بالأموال والبنين؛ قال الله تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ).
وشكا رجل إلى الحسن البصـري رضي الله عنه الجدب، فقال له: «استغفر الله»، وشكا رجل آخر الفقر، فقال له: «استغفر الله»، وشكا إليه آخر جفاف بستانه، فقال له: «استغفر الله»، فقالوا له في ذلك: أتاك رجالٌ يشكون، فأمرتهم كلهم بالاستغفار؟! فقال: ما قلت من عندي شيئًا؛ إن الله تعالى يقول في سورة نوح عليه السلام: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).
إنه سبب لحياة القلب وهدايته ونوره، فالذنوب تترك آثارًا سيئة وسوادًا على القلب، والاستغفار يمحو الذنب وأثره، ويزيل ما علق بالقلب من سواد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ المؤمن إذا أذنب نُكت في قلبه نُكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب، صقل قلبه، وأن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه؛ وهو الران الذي ذكر الله تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة»، كما أنه سبب لرحمة الله، قال تعالى: (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقال بعض السلف: «ما ألهم الله سبحانه عبدا الاستغفار وهو يريد أن يعذبه».
إنه سبب لحصول القوة في البدن؛ قال تعالى على لسان هود عليه السلام لقومه: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ)، وإنه يجلب رضا الله تعالى ومحبته، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، كما أنه سبب في تفريج الهموم؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أكثر الاستغفار، جعل الله له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب».
وفي ذلك يقول ابن تيمية: «الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه إلى الفعل المحبوب، ومن العمل الناقص إلى العمل التام، ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل، فإن العبد في كل يوم، بل في كل ساعة، بل في كل لحظة يزداد علمًا بالله وبصيرة في دينه وعبوديته بحيث يجد ذلك في طعامه وشـرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله، ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات العالية وإعطائها حقَّها، فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار؛ بل هو مضطرٌّ إليه دائمًا في الأقوال والأحوال، في الغوائب والمشاهد؛ لما فيه من المصالح وجلب الخيرات ودفع المضـرَّات، وطلب زيادة القوة في الأعمال القلبية والبدنية».