تمثل الشركات المتوسطة والصغيرة اليوم إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، إذ تسهم بدور محوري في تنويع مصادر الدخل، وخلق فرص عمل، وتغذية سلاسل الإمداد، وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 نحو اقتصاد متنوع ومستدام.
ورغم نجاح عدد كثير من هذه الكيانات تشغيلياً، الإ أن بعضها تفشل في إدراك التحديات الحقيقية التي تهدد إستمراريتها على المدى الطويل.
فضعف الوعي بالمخاطر الداخلية، كالنزاعات الإدارية وتداخل العلاقات الشخصية وتضارب المصالح مع القرارات المهنية، يجعلها عرضة للتآكل من الداخل قبل أن تواجه أي ضغط خارجي.
وغالباً ما يتعامل بعض الملاك وأصحاب المصلحة مع هذه الإشارات كمشكلات مؤقتة تزول مع الوقت، غير مدركين أنها علامات مبكرة على ضعف الحوكمة واهتزاز البنية المؤسسية.
ويزداد الخطر حين يُختزل مفهوم النجاح في تحقيق الأرباح، فيغفل الجانب الإداري والتنظيمي الذي يضمن استمرارية هذه الأرباح، فالربحية قد تخفي خلفها هشاشة مؤسسية لا تظهر الإ عند أول أزمة.
وهنا يكمن جوهر التحدي، فالمسألة ليست في تحقيق الأرباح فحسب، بل في القدرة على الاستمرار والنمو بوعي مؤسسي يحصن المنشأة من الإنقسام ويضمن انتقالها الآمن عبر الأجيال والشركاء.
ويزداد المشهد تعقيداً حين تتداخل العلاقات الشخصية مع القرارات المهنية، فتتحول الإدارة في بعض الشركات إلى ساحة مجاملات، ويُقدم القريب والصديق على الأجدر، ويختلط الولاء للشركاء بالولاء للكيان.
ومع غياب الحوكمة والشفافية تتسع دوائر سوء الفهم وتضعف الثقة بين الأطراف، مما يمهد لانقسامات أعمق تهدد استقرار الشركات.
وحين لا تدار هذه التحديات بوعي مؤسسي، يظهر خطر آخر أكثر عمقاً، غياب الخطط الإدارية والإنتقال السلس للإدارة، فكثير من أصحاب القرار لا يضعون تصوراً واضحاً لهذه المرحلة، فتتوقف القرارات، وتتشتت الصلاحيات ويظهر فراغ إداري وقيادي يكون سبباً في الانهيار.
وفي النهاية، يظهر أخطر العوامل جميعاً «سوء قراءة الأحداث وتأخر الحلول» فبدل أن تُدار الخلافات بعقلانية، تُترك لتكبر في الخفاء حتى تنفجر في لحظة، مسببةً انقساماً حاداً وسقوطاً سريعاً لشركات كانت تبدو في ظاهرها ناجحة.
وهكذا، لا يأتي الانهيار من السوق فقط، بل من الداخل ومن تجاهل إشارات الخطر الأولى.
إن تجاوز هذه التحديات لايتحقق بردات الفعل عند وقوع الأزمات، بل ببناء منظومة إستباقية تحصن الكيان من الداخل.
فالشركات التي تعي قيمة الحوكمة تدرك أن الاستدامة لا تبدأ من الأرباح، بل من وضوح الأدوار والالتزام بالأنظمة.
وأولى الخطوات نحو هذا الوعي تبدأ بوجود «ميثاق داخلي» يضبط العلاقة بين الملاك والإدارة ويحدد الحقوق والمسؤوليات ويرسم آلية لحل النزاعات قبل أن تتفاقم.
ومثل هذا الميثاق لايقيد القرار، بل يحمي العلاقة من الإنفعال ويحول الخلاف الى نقاش مؤسسي منضبط.
ويوازي ذلك تبني عملية واضحة تفصل بين الملكية والإدارة، بحيث تمارس الإدارات التنفيذية صلاحياتها بعيداً عن الضغوط الخارجية، وتُراقب أعمالها عبر مجلس إدارة ولجان مستقلة تعزز الشفافية.
فالقرار حين يصدر من منظومة لامن فرد يكون أقرب إلى الحياد وأقوى في الإستمرار.
كما يعد التخطيط «للبديل الاداري» من أكثرالقضايا التي تُهمل رغم خطورتها، فغياب خطة واضحة لإنتقال القيادة يجعل أي تغيير إداري مفاجئ تهديداً للكيان.
إن إعداد جيل جديد من القادة وتدريبهم على قيم أي شركة وثقافتها ليس ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة إستراتيجية لحماية مستقبل الكيان.
ولا يمكن إغفال أهمية عدالة المكافآت والحوافز، فهي محرك رئيسي للاستقرار الداخلي، إذ تعزز الثقة وتشجع على الآداء الجماعي، والعدالة لاتعني المساواة المطلقة، بل أن تكون إنعكاساً حقيقياً للمهنية والانضباط، الجهد والنتائج، لا للصداقة والقرابة.
وأخيراً، فإن الإستعانة بمستشارين محايدين أو مجالس مستقلة تمثل صمام أمان لأي شركة تطمح إلى النمو المؤسسي والحوكمة والإستدامة.
فالرأي الخارجي متجرد من الإنحياز ويرى بوضوح ما قد تحجبه العواطف، ويساعد في توجيه القرارات نحوالمصلحة العامة بعيداً عن تأثير الأشخاص.
في نهاية المطاف، لاتسقط الشركات لأنها ضعيفة، بل لأنها «تجاهلت مؤشرات ضعفها مبكراً» وليست القوة المالية هي الضامن للاستمرار، بل وعي أصحاب المصلحة بالمخاطر مبكراً، وإدارة الخلافات واتخاذ القرار بوعي ومسئولية.
فالمؤسسات التي تتعامل مع الأزمات بعقلية اللحظة تفقد توازنها بسرعة، بينما تلك التي تبني أنظمتها على الشفافية والحوكمة تكتسب مناعة ضد التراجع والسقوط السريع.
فالإستدامة ليست للأكبر حجما بل للأكثر وعياً وتنظيماً واستعداداً للمستقبل.
والملاك يجب أن يكونوا الجذر الذي يثبت الكيان لا الغصن الذي يشده في كل اتجاه.
** **
- زياد الجارد