سارة الشهري
في هذا الأسبوع الذي يصادف السادس عشر من نوفمبر، احتفل العالم بما أسماه (اليوم العالمي للتسامح). أصوات المدارس ارتفعت بأنشطة تلون الوعي، وجدران الجامعات امتلأت بملصقات تذكّر بأن العالم لا يتسع إلا لقلوب تعرف كيف تتجاوز. حتى طالباتنا المبدعات في كلية الاتصال والإعلام بجامعة المؤسس قدّمن حملة ملهمة أضاءت لنا بأسئلة عميقة ورسائل دافئة.
ومع ذلك، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً معلقاً في الهواء لماذا نحتاج إلى أن نُذكَّر بالتسامح أصلاً، ما دام ديننا قد صنع من العفو جوهرا، ونبينا قد جسّد في كل خطوة معنى الرحمة؟
لأن الواقع تغيّر، ولأن الناس تغيّروا معه، أحياناً دون أن يشعروا.
التسامح أصبح قيمة تتآكل بصمت، فنحن نعيش زمناً يبدو فيه الصفح رفاهية، والحلم مثالية يصعب ممارستها.
لم تعد المسافات بين القلوب قصيرة كما كانت، صارت محاطة بتحفظات، وحسابات، ومخاوف من أن يكون العطاء ضعفاً، أو أن يُفهم الصبر استسلاما.
تضاءل الصبر، تضخّم الانفعال، وأصبحت أبسط الهفوات تُعامل كأنها خطايا كبرى.
خطأ صغير قد يقطع صداقة طويلة، وكلمة عابرة قد تزرع جرحا طويل الأمد، ونظرة غير مقصودة قد تُفسَّر على أنها إهانة.
لقد أصبح الناس أسرع إلى الحكم، أبطأ في الفهم، وأشد قسوة في ردود الفعل.
وفي ظل هذا كله، بات العالم بحاجة ماسّة إلى إعادة تعريف (التسامح) لا كمفهوم نظري، بل كسلوك يومي.
طبعاً السوشيال ميديا بيئة خصبة لتكاثر الغضب، ففي منصّات التواصل، يتضاعف كل شيء الضجيج، الغضب، الأحكام، والأوجاع التي لا يجد أصحابها ملجأً إلا شاشة باردة.
أصبح كثيرون يقفون لبعضهم وقفة القاضي، لا وقفة الإنسان، والمرعب أنهم قد يكونوا إخوة أو أزواج أو أصدقاء.
يقرأون نصف جملة، فيكتبون حكماً كاملاً.
يشاهدون خطأ عابرا، فيحوّلونه إلى فضيحة (ترند).
أضحى التنمّر ظاهرة مألوفة إلى حدّ الوجع، وكأن الإساءة أصبحت هواية يومية، يمارسها البعض بلا وعي.
هناك من يضغط زر (إرسال) قبل أن يتأكد إن كانت كلمته ستُربك حياة أحدهم، أو قد تدمره.
وهناك من ينسى أن خلف الصور والبثوث المباشرة أناسا يتنفسون، وعائلات تتأثر، وقلوبا تتصدع.
في السوشيال ميديا، أصبحنا نرى مسلسلات متتالية من القذف والشتم والفضائح، ولسان بعضهم يقول ذلك من باب الفضفضة!
وتناسوا قول الرحمن في كتابه: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}.
لا أحد يمنح فرصة.
ولا أحد يفكر أنّ الشخص الآخر قد يكون يمر بظرف، أو يتعثر، أو يتعلم.
وكأننا في عالم رقمي يزدحم بملايين البشر، لكنّه يفتقر إلى أبسط صفات الإنسان الرحمة، وقول نبينا الرحيم: (الراحمون يرحمهم الرحمن).
ودعونا نأخذها قاعدة، التسامح لا يعني تبرير الخطأ، ولا تجاهل الأذى، بل يعني أن ننظر إلى الصورة كاملة بدلا من جزئها المشوَّه.
أن نتذكّر أن كل إنسان يحمل خلف صمته قصة، وخلف تردده خوفا، وخلف خطئه درسا لم يتعلمه بعد.
وأن تسأل نفسك قبل أن تحاكم الآخر:
لو كنت مكانه، ألم أكن سأحتاج من يفهمني؟ من يعذرني؟ من يقول لي: لا بأس؟
كم علاقة ماتت لأنها لم تجد من يمنحها فرصة ثانية؟
كم اسما كان محترما قبل أن تنهشه تعليقات عشوائية؟
وكم من شخص قابَل هفوةً بسيطة بصدمة قاسية، فقط لأنه نسي أن الناس لا يتعاملون بالكمال، بل بالنية؟
إننا حين نتسامح، لا نفعل ذلك من أجل الآخرين دائماً.
بل من أجل سلامنا الداخلي، من أجل ألا تتحول أرواحنا إلى مستودع للأحقاد الصغيرة، ومن أجل أن نترك مكانا للضوء كي يدخل.
ربما لو أعدنا النظر في ردودنا، لو تركنا لغيرنا لحظة ليفسر أو يعتذر لخفّ الكثير من الألم الذي نحمله بلا سبب واضح.
ربما لو كتب كل واحد منا تعليقه كما لو كان سيستلمه بنفسه، لتغيّرت طريقة حديثنا، وانخفضت حرارة الغضب.
في الختام.. نحن لا نحتاج إلى يوم عالمي للتسامح بقدر ما نحتاج إلى ممارسة يومية له. التسامح ليس أن ننسى الإساءة، بل أن نتجاوزها دون أن نخسر إنسانيتنا معها. هو أن نكون أقوى من الغضب، وأجمل من القسوة، وأعمق من لحظة سوء فهم.
فتذكّر دائماً في العالم الرقمي كما في الحياة.. كن يداً ترفع، لا كلمةً تُسقِط.
لعلّك بذلك تمنح أحدهم شفاءً لم يكن يتوقعه، وتمنح نفسك سلاماً لن يسرقه أحد.