سارة الشهري
منذ أن وقفنا أمامه أطفالاً بفضول لا يعرف الحدود، كان صندوق الدنيا السحري الذي يحتل زاوية الغرفة أشبه ببوابة تُفتح على عوالم لا تنتهي، يحمل لنا كل شيء، ضحكة عابرة، معلومة جديدة، قصة تُحاك بالخيال، وصوراً من الوطن والعالم البعيد. لم يكن مجرد جهازٍ يضيء في المساء، بل رفيقٌ للبيوت السعودية، نكبر معه ويكبر معنا، ونكتشف عبره ملامح عصرٍ يتشكّل أمام أعيننا.
ومع كل بثّ يبدأ، كان هذا الصندوق الذي فُتنّا به منذ الصغر يتحول إلى شاهد أمين على نهضة وطن يمضي بثقة نحو المستقبل. فمنذ دخوله الأول إلى البيوت، حمل التلفزيون السعودي روح التحول، وسجّل خطوات مجتمع يخرج من البدايات البسيطة إلى آفاق النهضة الواسعة التي نعيشها اليوم. كان نافذتنا الصغيرة على العالم ومرآتنا الكبيرة التي تعكس قصة وطن لا يتوقف عن التطور.
من البدايات عندما انطلقت أول إشارة بثّ تلفزيوني في المملكة عام 1965م، لم يكن الأمر مجرد حدث تقني، كان إعلاناً عن انتقال المجتمع إلى فضاء جديد من المعرفة والانفتاح. في تلك السنوات، كانت القنوات قليلة والبرامج بسيطة، لكن تأثيرها كان كبيراً. فقد لعب التلفزيون السعودي دور المدرسة الوطنية التي غرست القيم، وصقلت الوعي، ورفعت سقف الطموح.
لم يكن المشاهد يكتفي بمتابعة البرامج، بل كان يعيش معها، وتصبح جزءاً من حكاية يومه. من نشرات الأخبار الأولى إلى برامج الأطفال والتعليم، ومن المسرحيات المحلية إلى المسلسلات التي صنعت ذاكرة جيل كامل، كلها كانت خيوطاً تنسج علاقة حميمية بين المشاهد وشاشته.
ومع كل مرحلة، تطوّر التلفزيون السعودي كما يتطور الوطن نفسه. انتقل من الأبيض والأسود إلى البث الملوّن، ومن البث الأرضي إلى الأقمار الصناعية، ثم إلى القنوات المتخصصة والإنتاج الاحترافي. كل ذلك جعله ليس مجرد ناقل للأحداث، بل شاهدٌ حي على مسيرة تنموية ضخمة غيّرت وجه المملكة.
فهو الذي نقل صوت مكة والمدينة إلى العالم، ورافق مشروعات التعليم والصحة والطرق، ووثّق المناسبات الوطنية والتحولات الاقتصادية. كان الحاضر الدائم في لحظات الفرح الوطني وفي المواقف التاريخية، وفي الوقت نفسه ظل منصّةً تعكس الثقافة السعودية وتحتفي بإبداعات أبنائها.
اليوم، وفي ظل رؤية 2030، يعيش التلفزيون السعودي مرحلة تجديد واسعة، تحوّلت فيها الشاشات إلى منصات متعددة، والمحتوى إلى صناعة، والتقنيات إلى استثمار. عاد صندوق الدنيا بروح جديدة أكثر حضوراً، أكثر تفاعلية، أكثر قرباً من حياة الناس، وأكثر قدرة على المنافسة عالمياً.
لم يعد مجرد ناقل، بل أصبح صانعاً للهوية الإعلامية السعودية الحديثة، يقدم محتوى يعكس روح الوطن وقيمه وطموحه.
وهكذا، يبقى التلفزيون السعودي ذلك الصندوق السحري الذي أسر قلوبنا منذ الطفولة شاهداً على رحلة وطن صنع من البدايات البسيطة مشروع نهضة شامل. وعلى الرغم من تغير الوسائل وتعدد المنصات، سيظل هذا الصندوق جزءاً من ذاكرة السعوديين، ومرآة صادقة لحكاية وطن لا يكفّ عن التقدم.