أ.د.صالح معيض الغامدي
ستنطلق قراءاتي لكتاب د. عبدالله الغذامي «ماذا لو كنت مخطئاً» من منظور المراجعات الفكرية والنقدية، وستقارب هذا الموضوع من مدخلين: المدخل الأول هو المدخل الفلسفي للمراجعات الفكرية والنقدية الذاتية (self revision ) وهي كما ذكرت في تغريدة لي تعقيباً على تورقية (هل النقد خيار نخبوي) للدكتور الغذامي، «المراجعات الفكرية والنقدية مراجعات مشروعة بل ضرورية متى ما توافرت الشروط اللازمة لها»، ومن أهم هذه الشروط الشرط المعرفي وذلك بأن تكون المراجعة معتمدة على دراسة متعمقة تقوم على تطور في أدوات الباحث المنهجية، وليس على مجرد انطباعات وتكهنات. وشرط أخلاقي يقوم على الإعلان عن أسباب القيام بالمراجعة والاعتراف بالأخطاء أو جوانب القصور أو الغموض في المواقف الفكرية والنقدية والمناهج السابقة التي هي قيد المراجعة. والشرط المنهجي الذي تتوافر فيه المعايير الواضحة للمراجعة التي تعتمد على الحجج والبراهين. وكل هذه الشروط بدت لي متوافرة في مراجعات الدكتور الغذامي بما فيها كتاب (ماذا لو كنت مخطئاً). ويبدو واضحاً لي على الأقل أن الدكتور الغذامي رأى أن الموقف الفلسفي الثالث الذي حدده في الفصل الأول من كتابه فيما يتعلق بالسؤال (ماذا لوكنت مخطئاً)؛ أقصد «أخذ هذا السؤال مأخذ الجد واتخاذه سبباً للقيام بتحولات جذرية وضخمة تبلغ حد الصدمة لمريديه ولعارفي نظرياته»، بعد أن ناقش الموقفين الفلسفيين الأول والثاني: أقصد الموقف التهربي من هذا السؤال بعد مواجهته، والموقف التجنبي للسؤال من أساسه.
أما المدخل الثاني فهو المدخل السيرذاتي، وتحديداً ما يسمى النقد السيرذاتي الذي يدمج فيه الناقدُ بعض تجاربه الحياتية ومواقفه الفكرية والنقدية، وغالباً ما نرى هذا النقد في سير الأكاديميين أو من يشتغلون بالنقد الأدبي والنظرية والفكر عموماً. وفي هذه المقاطع السيرذاتية (كالتي نجدها في هذا الكتاب وتحديداً في الصفحتين 52 - 53 (تحت عنوان «هل كنت مخطئاً)، عندما قال الغذامي: «وقد لامني عدد من طلابي حين تحولت من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي واعتبروني قد تخليت عن كل ما درّسته لهم في قاعات الجامعة، وكأنني قد خنتهم أو خدعتهم حين درّستهم نظريات النقد الأدبي ثم غيرت رأيي فيها».
فهو في هاتين الصفحتين يشير إلى الأخطاء الصغرى والأخطاء الكبرى التي تنطوي عليها عملية المراجعة النقدية والفكرية، ويشير إلى الحيرة الذاتية التي مر بها حول ذكر الأسباب التي قادته إلى التحول، والتي لم يستطع تقديمها لإقناع طلابه آنذاك، بل إنه ليطلب منهم أن يكونوا في مكانه آنذاك ليفهموا هذه الأسباب، مثل الملل من التخصص وانسداد الأفق أمامه عام 1987مً …إلخ. ومرت سنوات طويلة إلى أن وصل إلى طرح كيف هو غير الرقم نظرية النقد الثقافي ونظرية الأنساق المضمرة. وبعد ذلك، طرح وظيفة النقد الثقافي بعد النقد الذي وُجه إليه، هذه هي باختصار المراجعة الذاتية للنقد الثقافي عند الغذامي.
الغذامي يرى أن وظيفة النقد الثقافي تُعزز عبر المصطلحات الخمسة الرئيسة التي تنفرد بها منهجية النقد الثقافي:
1 - المؤلف المزدوج.
2 - النسق المضمر.
3 - التورية الثقافية.
4 - المجاز الكلي.
5 - الجملة الثقافية.
وكان الغذامي قد طرحها في كتابه (إشكالات النقد الثقافي: أسئلة في النظرية والتطبيق) 2024م، فهو يسرد في هذه الصفحات أيضاً التحولات التي حدثت في مسيرته الفكرية والنقدية.
وأخيراً، وعلى سبيل الاستنتاج، يبدو لي أن مراجعات الغذامي في عمومها ليست تصويباً لأخطاء بقدر ما هي تنقيح وتطوير وتجويد لأفكار ونظريات ومقاربات ومواقف سبق أن طرحها من قبل في كتبه وأبحاثه حول النقد الثقافي، بل حتى في إرهاصاته الأولى لديه، فالنقد الثقافي هو مشروع الغذامي الكبير، كما يصفه، الذي يتعهده دوماً بالرعاية والتطوير والتجويد.