د. عبدالحليم موسى
في كل صباح مدرسي، يحمل الأطفال أكثر مما يظهر للعين، يحملون كتبهم لكنهم يحملون أيضاً تعباً مبكراً وانحناءة صامتة لما يُفترض أنه طبيعي، قد تتحول الشنطة المدرسية من أداة للتعلُّم إلى رمز يومي لحِملٍ يثقل الجسد الصغير، ويغدو الطريق إلى المعرفة طريقاً مثقلاً لا يشعر بوطأته إلا من يسير فيه، وفي هذا الهدوء، تتسلَّل معاناة الطلاب، وتتجلَّى مسؤوليتنا الأخلاقية في حماية الطفولة ونحن نبني المستقبل.
بطل قصتنا الطالب سامي، الذي يستيقظ كل صباح قبل أن يكتمل الضوء في النافذة، لا يوقظه المنبه وحده، بل ثِقل الشنطة المعلقة خلف الباب، وهو ينظر إليها بصمت، يفتحها ليتأكد من الكتب والدفاتر، ثم يغلقها وهو يدرك أن جسده الصغير سيحمل عبئاً أكبر من طاقته، وحين يضعها على كتفيه لا يشتكي؛ فالأطفال يتعلمون الصمت مبكراً، ويتعاملون مع الألم كجزء من الروتين اليومي.
ينزل سامي درجات السلم ببطء، يميل بجسده قليلاً إلى الأمام، كأنَّ ظهره يتهيأ لمهمة شاقة، وفي الطريق إلى المدرسة تسير السيارات مسرعة، بينما يخطو هو خطوات قصيرة ومتعبة، يشعر أحياناً أن يومه الدراسي يبدأ من كتفيه لا من عقله، وأن التعب يسبقه إلى الفصل قبل أن يفتح كتاباً واحدا؛ هكذا تبدأ حكاية كثير من الطلاب في دول لا يتوافر فيها ترحيل مدرسي أو بدائل تعليمية ميسّرة، دول سمتها الفقر المدقع.
هذه الصورة لا تخص سامي وحده؛ بل تتكرر يومياً مع طلاب حول العالم يحملون شنطاً على ظهور لم تكتمل بنيتها الجسدية بعد؛ وكتب وُجدت لتفتح العقول، لكنها تحولت إلى عبء جسدي متكرر، وصار العلم في بعض البيئات مرتبطاً بالتعب أكثر من ارتباطه بالمتعة والشغف والاكتشاف.
يحذِّر الأطباء من أن العمود الفقري للطفل ما زال في طور النمو، وأنّ الحمل الزائد المتكرر يترك آثاراً تراكمية؛ منها آلام في الظهر والرقبة، وانحناء في الكتفين، وتشنجات عضلية، وصداع متكرر، قد تتحول مع الزمن إلى مشكلات صحية مزمنة تمتد إلى مراحل لاحقة من العمر، والخطورة الحقيقية ليست في يوم واحد، بل في التكرار اليومي؛ إذ يتكيَّف الجسد ظاهرياً، لكن هذا التكيُّف ليس صحة، بل استنزاف بطيء.
في المساء، تجلس أم سامي بجانبه وهو ينجز واجباته، وهي تلاحظ كثرة تغيير وضعية جلوسه، ووضع يده على أسفل ظهره، وتنفسه العميق دون شكوى، فقد أصبح التعب لغة صامتة داخل البيت، وينظر الأب إلى الشنطة في زاوية الغرفة، فيشعر بثقلها حتى وهي على الأرض، ويدرك أنّ الحمل لا يقع على الابن وحده، بل يمتد إلى الأسرة كلها.
ولا تتوقف الآثار عند الجسد؛ فالضغط الجسدي المستمر ينعكس ضغطاً نفسياً غير معلن؛ فالطفل الذي يبدأ يومه بالألم يفقد شيئاً من حماسه، يضعف تركيزه، ويتراجع شغفه بالتعلم؛ فالمدرسة التي يفترض أن تكون مساحة للاكتشاف، تتحول تدريجياً إلى مساحة للواجب والتحمّل، ويرتبط التعليم في وعي الطفل بالتعب لا بالفضول.
في خطابها التربوي، ربطت اليونسكو بين جودة التعليم وسلامة جسد الطفل، مؤكدة أن البيئة التعليمية الآمنة شرط أساسي للتعلم الحقيقي، فحين يُثقل جسد الطالب بحمل يومي يفوق طاقته كما يحدث مع سامي، الذي يدخل الصف بعقل مرهق وروح منهكة، ويتحول التعليم من مساحة للنمو إلى تجربة تحمّلٍ صامت، ويغدو ثِقل الشنطة عبئاً يُرهق كاهل الطلاب.
وفي الدول الفقيرة تتضاعف المعاناة حيث يحمل الأطفال شنطاً ثقيلة، ويمشون بها مسافات طويلة في طرق قاسية، لغياب البدائل والإمكانات، وهناك لا تحمل الشنطة الكتب فقط، بل تحمل معها الفقر ونقص الموارد وحلم الأسرة بالخلاص عبر التعليم، ويتحول ظهر الطفل إلى شاهد صامت على رحلة تعلم ممزوجة بالألم، لا تسجلها التقارير بقدر ما تحفظها الأجساد.
ومع ذلك، تبدو الحلول بسيطة كتنظيم الجدول الدراسي لما يحمله الطالب يومياً، تخفيف المحتوى الورقي، توفير خزائن مدرسية، والاستفادة من البدائل الرقمية؛ كل هذه الحلول لا تمس جوهر المعرفة، بل تعيد التوازن بين متطلبات الدراسة وحدود الجسد، غير أنّ بعض الدول الفقيرة لا تزال تنظر إليها بوصفها ترفاً لا أولوية تربوية.
ويؤكد المختصون أنّ الوقاية هي الأساس؛ فالعلاج الحقيقي يبدأ قبل ظهور الألم، ويبدأ من المدرسة قبل العيادة، فحماية الطفل من الحمل الزائد تعني حماية نموه الطبيعي، وصيانة جسده ونفسيته في مرحلة التكوين؛ ويرى علماء التربية وعلم النفس أن الجسد هو المدخل الأول للتعلم، وأن الضغط الجسدي المستمر يتحول تلقائياً إلى عبء نفسي ومعرفي. ويؤكد جان بياجيه عالم النفس والفيلسوف السويسري الذي اشتهر بتطويره لنظرية التطور المعرفي، فقد قال بياجيه إن اختلال التوازن بين الجسد وبيئة التعلم يضعف الفهم والاستيعاب، فيما يشير فيغوتسكي وهو عالم نفس ومعلم روسي، وضع نظريةً حول كيفية تأثير تفاعلاتنا الاجتماعية على نمونا المعرفي؛ وقد أشار إلى أن البيئة التعليمية القاسية جسدياً تقتل الدافعية الداخلية، وتجعل المعرفة مرتبطة بالألم لا بالمعنى.
نعود إلى سامي، الذي عاد ذات يوم إلى البيت مبكراً، وألقى الشنطة أرضاً وتنفس بعمق، في مشهد بسيط، لكنه يحمل دلالة عميقة، ولسان حاله يقول: أضع الآن حملاً ثقيلاً لا يراه أحد، وينتظر أن يصبح طريق التعلم أخف على جسده الصغير. فالشنطة المدرسية حين تخف، يخف معها الطريق إلى المعرفة، وحين تثقل، يرهق الجسد قبل أن ينضج العقل؛ والتعليم الإنساني الحقيقي هو الذي يبني العقل دون أن يكسر الجسد، ويحمي الطفولة وهو يصنع المستقبل.