عبدالوهاب الفايز
في منطق الصراع الطويل في العالم العربي ثمة أمور وجودية للشعوب تستحق التدبر والتأمل في مآلاتها وتأثيرها الممتدة. حالياً مهم أن نقف عند أمر وجودي مهم وهو: حماية الجبهات الداخلية للدول، بالذات دولنا في الخليج العربي.. المحاطة بمناطق توترات وصراعات ومؤمرات!
وهذا الوضع التآمري المضطرب يبرر الدعوات المتجددة بضرورة حماية الجبهة الداخلية لدول مجلس التعاون. هذا الهدف الأساسي هو الذي يفسِّر لماذا هذا الموقف السعودي الصارم من أحداث اليمن. قبل دخول المليشيات الحوثية إلى عدن كانت عاصفة الحزم، والآن بعد انكشاف تآمر مليشيات المجلس الانتقالي اليمني جاء التحرك السعودي الحازم السريع لقطع الطريق على مشروع تآمري يستهدف (الأمن الوطني)، ليس للشعب السعودي فقط، بل لشعوب دول المجلس.
وهذا المشروع الخبيث لم يكن غائباً عن الرصد والمتابعة الدقيقة، لأنه مؤامرة غبية مكشوفة ظل الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي يتحدث عن أهدافها في عدة مناسبات، حيث كشف عن مشروع دولة تتطلع للسلام والوئام بين الشعوب، وقدم الالتزام بالدخول في (الاتفاقيات الإبراهيمية)، وكان يتقرَّب من نتنياهو عندما قال إن (دولته القادمة في جنوب اليمن) ستكون في طليعة المطبِّعين مع الكيان الصهيوني! من لطف الله، سبحانه وتعالى، إن المتآمرين يسقطون في الحفر التي يعدّونها لغيرهم، ولكن يكشف الله ما في نفوسهم. ألم نقل: حبل الكذب قصير!
والوضع الحالي الذي انتهى إليه أمر المجلس الانتقالي متوقَّع، حيث رفضه ونبذه أغلب الشعب اليمني، بل طالب نائب رئيس مجلس النواب اليمني عبدالعزيز جباري بتقديم قادته الأربعة إلى المحاكمة بسبب الخيانة العظمى للدستور ولمصالح الشعب اليمني.
الذي يقلق أن الأحداث في اليمن لا يمكن فصلها عن التحولات الكبرى في العالم العربي، فهي ليست حدثاً منفصلاً أو أزمة طارئة. ولا يمكن فصلها عن حقائق الجغرافيا السياسية والاقتصادية.
فالتاريخ، في تجاربه الطويلة، يعلِّمنا أن ما قد يبدو فجائياً هو في الغالب تراكم بطيء لعوامل مستقرة: الجغرافيا، والذاكرة الجمعية، وأنماط الصراع التي تعيد إنتاج نفسها بأدوات جديدة. في هذا الإطار، لا تعود السياسة سوى السطح المرئي لبنية أعمق، تعمل بصمت ولكن بثبات.
والسؤال الأهم هو: لماذا أصبحت حماية الجبهات الداخلية في دول الخليج والعالم العربي ضرورة وجودية لا مجرد خيار أمني؟
عندما تزامن انفجار الوضع في اليمن مع سرعة الاعتراف الإسرائيلية بالوضع الانفصالي في الصومال عبر الاعتراف بـ (أرض الصومال)، وترحيب أمريكي غير مباشر، وسكوت أطراف عربية ودولية، هنا يتضح أننا أمام خطر يهدد الاستقرار في المنطقة.
ولا يمكن فصل العوامل والمؤثِّرات الدولية الجارية الآن، فالجغرافيا السياسية هناك من يسعى لإعادة تشكيلها سياسياً واقتصادياً بما يخدم المصالح الإستراتيجية للدول الكبرى المتصارعة على الموارد والأسواق، وأكبر حدث شهدناه هو غزو أمريكا لفنزويلا، وهو غزو يوضح بجلاء خطورة التنافس الحالي، ولا توجد منطقة خضعت للتنافس والسباق مثل منطقة الشرق الأوسط، وما يجري الآن هو فصل جديد من (اللعبة الكبرى) قبل قرنين من الزمن. والكبار في سباق المصالح يجرون معهم الطوائف والأقليات والكيانات السياسية الصغيرة ليكونوا أداة وظيفية تستخدم في الهيمنة.
منطقتنا ما زالت تتمتع بحيويّتها الجيوسياسية، وعلماء الجغرافيا يسمونها قلب العالم. وهؤلاء كان لهم أطروحاتهم وسجالاتهم الفكرية التي نتج عنها منظومة فكرية لصنع السياسات والتحالفات الغربية.
ومنذ مطلع القرن العشرين، حاول مفكرو الجيوبوليتيك تفسير لماذا تتكرر الصراعات في أماكن بعينها. رأى هالفورد ماكندر، مؤسس الجغرافيا السياسية المعاصرة، أن السيطرة على قلب اليابسة الأوراسية تمنح أفضلية إستراتيجية بعيدة المدى، بينما يرى عالم آخر هو نيكولاس سبايكمان أن الحسم الحقيقي يتم على «الحافة» الساحلية، حيث تتقاطع القوة البرية بالبحرية والتجارة بالأمن.
بعد قرن تقريباً، أعاد روبرت د. كابلان إحياء هذا التقليد في كتابه (انتقام الجغرافيا) لا ليقول إن الجغرافيا تحكم كل شيء، بل لتذكير صنَّاع القرار بأن تجاهلها مكلف. «الانتقام» هنا مجاز عن عودة القيود الطبيعية -الموقع، الممرات، الحدود- لتفرض نفسها بعد مرحلة من الوهم السياسي أو التقني.
في الإقليم الجغرافي العربي، تبدو هذه الفكرة تفرض حالياً حضورها علينا: البحر الأحمر، باب المندب، الخليج العربي، وشرق المتوسط ليست مجرد ممرات ومساحات مائية، بل مفاصل تاريخية تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى منذ قرون. وفي أدبيات الفكر القومي- الأمني العربي، تتكرر فرضية تكاد تكون مستقرة: إضعاف الأمن القومي العربي يتم عبر إضعاف مراكزه الثقيلة. وغالباً ما تُذكر ثلاث دول بوصفها أعمدة هذا التوازن التاريخي: السعودية ومصر وسوريا.
هذه الدول الثلاث ما يجمعها هو الكتلة السكانية، والموقع، والعمق الجغرافي، والتأثير الإقليمي. ولإضعاف هذه الدول التي تشكِّل مرتكز الأمن القومي العربي، لا يتم استهدافها بشكل مباشر، بل تُستنزف أطرافه: اليمن جنوب الجزيرة العربية، والسودان في العمق الإفريقي العربي، والجولان في خاصرة المشرق. هذه ليست «بدائل» عن الصراع مع المركز، بل آليات ضغط غير مباشرة، تُدار عبر الهشاشات الجغرافية والسياسية.
والآن الجبهة الساخنة اليمن. هنا نجد أن الجغرافيا لا تسمح بالحياد أو التساهل. يشكِّل اليمن نموذجاً مكثفاً لفكرة سبايكمان عن «الحافة». فموقعه على باب المندب يجعله جزءاً من أمن البحر الأحمر والخليج العربي في آن واحد. تاريخياً، كان هذا المضيق هدفاً دائماً للقوى البحرية الكبرى، ولا يزال حتى اليوم نقطة اختناق للتجارة والطاقة.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة ما يجري في اليمن بوصفه شأناً داخلياً صرفاً، ولا حتى صراعاً إقليمياً محدوداً. فالجغرافيا تجعل أي خلل سيادي فيه سوف يتعدى إلى المراكز المجاورة، وهذا هو الذي ورد ذكره في بيان وزارة الخارجية السعودية عندما ذكرت خطورة ما يجري في اليمن على (أمننا الوطني). وهنا تتقاطع القراءة الجيوسياسية مع الذاكرة الأمنية لدول الخليج، التي ترى في استقرار اليمن جزءاً من أمنها الطويل المدى، لا ملفاً خارجياً يمكن عزله.
بالسودان والجولان -وهي أطراف تعكس ثقل المركز- نجد أن السودان يقدِّم مثالاً آخر على استهداف الأطراف. فهو يقع عند تقاطع وادي النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، أي في منطقة تماس بين العمق العربي والإفريقي. ضعف الدولة هناك لا يبقى محلياً، بل ينعكس على مصر، والبحر الأحمر، وحركة التجارة والأمن الإقليمي.
أما الجولان، ولأجل إضعاف سوريا، سوف يبقى رمزاً لصراع حدودي لم يُغلق منذ عقود، حيث تلتقي الجغرافيا العسكرية بالذاكرة السياسية. استمرار هذا الملف دون حل نهائي يذكر لأن بعض الصراعات تُترك مفتوحة لأنها تؤدي وظيفة دائمة في إعادة تشكيل التوازنات بما يخدم الأمن القومي الإسرائيلي. وإسرائيل كدولة وظيفية، سوف تبقى وتُحمى لأنها كيان احتلال متقدم، مرتبط تاريخياً بالمشروع الغربي في المنطقة، ويؤدي وظيفة إدارة الصراع على الحواف بدل حسمه في المراكز.
من هذا المنظور، لا يُدار الصراع عبر مواجهة شاملة مع الدول العربية المركزية، بل عبر تفكيك بيئتها الإقليمية، وإدامة التوتر في نقاط تماس قادرة على الاستنزاف الطويل. هذا النمط يتسق مع منطق «إدارة الصراع» أكثر من منطق «حسمه».
وهذا يفسر حالة القلق والتوتر الدائمين لدى الشعوب العربية. فالذاكرة الجمعية ومنطق القلق الوجودي، جعلت الشعوب أكثر وعياً بهذه، وأصبحت تدرك أن هذه البنى الجيوسياسية لا تعمل في فراغ. فالشعوب تمتلك ذاكرة جمعية تختزن تجارب الحصار والانقسام والتهديد. وعندما تتراكم الإشارات على خطر وجودي، يظهر القلق، لا بوصفه حالة نفسية، بل كعامل سياسي واجتماعي.
هنا نستدعي -لأجل الفهم- أطروحة المؤرِّخ والفيلسوف البريطاني ارنولد توينبي حول التحدي والاستجابة. فالحضارات، وفق توينبي، لا تنهض في أوقات الرخاء، بل حين تواجه تحدياً يفرض عليها إعادة تنظيم ذاتها. الاستجابة قد تكون إصلاحاً، أو انغلاقاً، أو تفككاً؛ لكن غياب الاستجابة يعني التآكل.
في السياق العربي والخليجي، يصبح القلق الوجودي المرتبط بالجغرافيا المحيطة دافعاً لإعادة تعريف مفاهيم الأمن، بحيث لا تقتصر على الردع العسكري، بل تشمل تماسك المجتمع، ومرونة الاقتصاد، ووعي المنظومة الإعلامية الخليجية.
من هنا يأتي الخوف على الجبهة الداخلية فهي خط الدفاع الأول، ففي عالم تُدار فيه الصراعات عبر الأطراف والمناطق الهشة، تتحول الجبهة الداخلية من مفهوم تقليدي إلى بنية شاملة. فهي تشمل: الاقتصاد وسلاسل الإمداد، والثقة بين المجتمع والدولة، والقدرة على إدارة المعلومات والذاكرة، وكفاءة المؤسسات في امتصاص الصدمات. وهذا لا يعني عسكرة الداخل، بل تحصينه. فالتاريخ يبين أن الدول التي تملك داخلاً متماسكاً قادرة على إدارة ضغوط الخارج، بينما تلك التي تهمل جبهتها الداخلية تصبح أكثر عرضة للابتزاز، مهما امتلكت من أدوات ردع.
من هذا المنظور، تصبح حماية الجبهات الداخلية في دول الخليج والعالم العربي ليست رد فعل على حدث بعينه، بل استجابة حضارية لتحدٍ طويل النفس. بالذات حين يعاد رسم الخرائط، حيث تستيقظ الذاكرة القلقة، وتتشابك المصالح الوجودية، وهنا حقائق الجغرافيا تفرض حضورها، فالأسلم للشعوب أن لا يعبث الصغير بأمن الكبير!