إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
في سياقٍ ثقافي يتقاطع فيه الفن مع الوعي الوطني، أعلنت اللجنة المنظمة لجائزة «ضياء عزيز للبورتريه» عن نتائج مرحلة فرز الأعمال المشاركة في نسختها التاسعة، التي جاءت هذا العام تحت شعار «الملك سلمان: الإنسان والإنجاز»، في خطوة تعكس تحوّل الجائزة من إطارها التنافسي إلى فضاء ثقافي أوسع، يُعيد قراءة صورة القائد بوصفها رمزاً إنسانياً وحضارياً، لا مجرد موضوع بصري.
تكشف الأرقام وحدها عن حجم هذا الحراك؛ إذ تقدّم للمشاركة 787 عملاً فنياً، وهو رقم يتجاوز الدورات السابقة، ويؤشر إلى تنامي الاهتمام بفن البورتريه بوصفه أحد أكثر الأجناس التشكيلية قدرة على ملامسة الذاكرة الجمعية، واستنطاق ملامح الشخصيات المؤثرة في مسيرة الأوطان. في هذه الأعمال، لم يكن الملك سلمان موضوعاً للرسم بقدر ما كان فكرة، وحالة، ونقطة التقاء بين الفن والتاريخ.
ويمتد البعد الثقافي للجائزة عبر خارطة جغرافية واسعة، حيث جاءت المشاركات من 42 مدينة ومحافظة سعودية، في مشهد يعكس تعددية البيئات الفنية داخل المملكة، وتنوع المدارس والأساليب والرؤى البصرية. هذا الامتداد الجغرافي لا يعكس فقط انتشار الفن التشكيلي، بل يكشف عن تحوّله إلى لغة مشتركة، قادرة على التعبير عن الانتماء والهوية، مهما اختلفت الأمكنة والخلفيات.
ولم تقف الجائزة عند حدود الداخل، بل استقبلت مشاركات من فنانين سعوديين مبتعثين ومقيمين في شيكاغو وكندا، ما يمنحها بعداً ثقافياً عابراً للحدود، ويؤكد أن صورة الملك سلمان حاضرة في الوجدان الفني للسعوديين أينما كانوا، بوصفها رمزاً للاستقرار، والتحديث، والرهان على الإنسان.
ومع هذا الزخم، جاءت مرحلة الفرز والتحكيم بوصفها لحظة تأمل نقدي، لا مجرد تصفية رقمية. فقد خضعت الأعمال لمعايير دقيقة أشرفت عليها لجنة تحكيم متخصصة ضمت الفنان ضياء عزيز، والفنان فهد الربيق، والدكتورة سارة الزهراني، وأسفرت عن اختيار 61 عملاً فنياً فقط للتأهل إلى المنافسة النهائية، وقد ركزت اللجنة في تقييمها على العمق التعبيري، وصدق المعالجة الفنية، وقدرة العمل على النفاذ إلى جوهر الشخصية، بعيداً عن الاستنساخ البصري أو التكرار الأسلوبي.
في هذا السياق، يبرز فن البورتريه كأداة ثقافية بامتياز؛ فهو لا يكتفي بتثبيت الملامح، بل يسعى إلى قراءة الزمن الذي تنتمي إليه الشخصية، واستحضار القيم التي تمثلها.
ومن هنا، جاءت الأعمال المتأهلة محمّلة بمحاولات فنية لفهم شخصية الملك سلمان في بعدها الإنساني والقيادي، بوصفه شاهداً على مراحل مفصلية في تاريخ الدولة السعودية، وفاعلاً رئيسياً في مسارها التنموي الحديث.
وتعكس الجوائز المخصصة للجائزة - والبالغة (170) ألف ريال سعودي - هذا الوعي بأهمية الفن ودوره الثقافي، حيث يحصل الفائز بالمركز الأول على (50) ألف ريال، والثاني على (30) ألف ريال، والثالث على (20) ألف ريال، إضافة إلى (7) جوائز تحفيزية بقيمة (10) آلاف ريال لكل منها، في مقاربة تؤكد أن دعم الفنان هو استثمار في الوعي الجمالي، وليس مجرد تكريم عابر.
ويرى الفنان ضياء عزيز أن الجائزة باتت تمثل مساحة حقيقية لتطور فن البورتريه في المملكة، مشيراً إلى التحولات النوعية في مستوى الأعمال المشاركة، سواء من حيث التقنيات أو الطرح المفاهيمي.
فيما يؤكد الأستاذ محمد آل صبيح، مدير جمعية الثقافة والفنون بجدة والمشرف العام على الجائزة، أن ارتباط «ضياء عزيز» بالهوية الوطنية منحها خصوصيتها، وجعلها تجربة ثقافية راسخة في المشهد التشكيلي السعودي.
ويأتي هذا الحراك متسقاً مع ما يشهده القطاع الثقافي في المملكة من دعم وتمكين في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان - حفظهما الله - حيث باتت الثقافة والفنون جزءاً من مشروع وطني شامل، تسعى من خلاله رؤية المملكة 2030 إلى بناء إنسانٍ أكثر وعياً، ومجتمعٍ أكثر تفاعلاً مع أدواته التعبيرية.
في المحصلة، تتجاوز جائزة «ضياء عزيز» في نسختها التاسعة كونها مسابقة فنية، لتصبح ممارسة ثقافية جماعية، تعيد الاعتبار للصورة بوصفها خطاباً، وللفن بوصفه ذاكرة وطن. إنها لحظة يلتقي فيها الجمالي بالرمزي، ويقدّم فيها الفن التشكيلي قراءة معاصرة لشخصية قائد شكّل الإنسان محوراً لكل إنجاز، وجعل من الثقافة أحد مسارات المستقبل.
** **
تويتر: AL_KHAFAJII