في جاليري مهد الفنون يتجلّى البحر بوصفه ثيمة بصرية جامعة، عبر المعرض التشكيلي الرباعي «أزرق لا ينتهي»، الذي يضم أعمال الفنان محمد المجرشي، والفنانة مهدية آل طالب، والفنانة مرام عودة، والفنانة عقيلة الصاخن. ينطلق المعرض من البحر لا كمشهد طبيعي فحسب، بل كحالة رمزية مفتوحة على التأويل، حيث يتحول اللون الأزرق إلى مفهوم شعوري وثقافي يتجاوز حضوره اللوني المباشر، ليغدو مساحة للتأمل والذاكرة والتحوّل.
يقدّم محمد المجرشي قراءة تجريدية للبحر، تقوم على تفكيك المشهد وإعادة بنائه بصريًا عبر كتل وأشكال عضوية متراكبة، تستدعي طبقات قاع البحر وبقاياه.
تعتمد أعماله على تراكم لوني كثيف، تتداخل فيه الدرجات الترابية مع ومضات ضوئية، مولّدة توترًا جماليًا بين العمق والسطح، وبين ما هو ظاهر وما هو غارق في الذاكرة. في هذا السياق، يغيب الأزرق كلون صريح ليحضر كفكرة وعمق شعوري، منسجمًا مع عنوان المعرض ودلالاته المفتوحة.
أما الفنانة مهدية آل طالب فتتخذ من الكائن البحري، وتحديدًا السمكة، محورًا بصريًا لأعمالها، مقدّمة معالجة تجمع بين التشخيص والتجريد. يظهر الكائن في مواجهة فراغ أزرق واسع، محمّل بسطح لوني غني بالملمس، نتج عن تقنيات التراكم والخدش والبناء الطبقي. وتتحوّل عين السمكة إلى بؤرة تعبيرية لافتة، توحي بالمراقبة واليقظة أو حتى الاضطراب والخوف، وكأنها مرآة لعلاقة الإنسان بالبحر. ويتقاطع الأزرق الفيروزي مع ألوان دافئة كالذهبي والأحمر، في تناغم يعكس حيوية الحياة البحرية وتحولاتها المستمرة.
في حين تميل مرام عودة إلى بناء سرد بصري رمزي، تمزج فيه بين عناصر البحر واليابسة، مستحضرة مفردات مثل النخلة، الأسماك، والتيارات اللونية المتدفقة. يقوم عملها على تباين لوني جريء بين الأزرق والبرتقالي والأسود، في إيقاع بصري يعكس جدلية السكون والحركة.
وتتوزع العناصر ضمن تكوين مترابط، تتخلله خطوط وانسيابات تشبه التيارات المائية أو المسارات الزمنية، فيما تضيف الدوائر المتكررة بعدًا إيقاعيًا يوحي بالحياة والامتداد.
وتقدّم الفنانة عقيلة الصاخن مقاربة تعبيرية تجريدية للبحر، لا بوصفه مشهدًا بصريًا، بل كحالة شعورية متحوّلة، تتجسّد عبر حركة اللون وضربات الفرشاة الحرة. تنطلق أعمالها من الأزرق باعتباره فضاءً نفسيًا وذاكرة سائلة، حيث تتدفّق الكتل اللونية في مسارات غير مستقرة، توحي بالتيه والتحوّل والصراع الداخلي. ويتجاور الأزرق العميق مع ومضات لونية دافئة، في تباين بصري يخلق توترًا مقصودًا بين الهدوء والاضطراب.
يقدّم معرض «أزرق لا ينتهي» تجربة تشكيلية مشتركة، تتقاطع فيها الرؤى الفردية ضمن إطار موضوعي واحد، مؤكّدًا قدرة الفن التشكيلي على تحويل البحر من موضوع طبيعي إلى فضاء ثقافي وإنساني واسع الدلالات.
وبهذا، لا يبدو الأزرق لونًا فحسب، بل حالة وجودية، ومساحة تأمل، ودعوة مفتوحة للغوص في أعماق الجمال والمعنى.