السموأل محمد إبراهيم
ليست الشهادة في حضرة المؤسسات العريقة ألفاظا تنثر، ولا عبارات تقال على عجل، بل هي خلاصة عمر معاش، وذاكرة زمن طويل، وتجربة إنسان نضج وعيه وهو يشهد التحولات الكبرى. ومن هذا الأفق أكتب شهادتي عن جامعة الأمير سلطان؛ لا بلسان مراقب من بعيد، بل بقلم من عاش في أروقتها، وشارك في نبض عملها اليومي، وشهد نهضتها وهي تتشكل بهدوء وثبات، عاما بعد عام. لقد كانت ثلاثة وعشرون عاما أكثر من مجرد سنوات عمل؛ كانت مسيرة انتماء، وتراكم خبرة، ومرافقة صادقة لرحلة نمو متواصل. سنوات رأيت فيها الطموح وهو يترجم إلى منجز، والرؤية وهي تتحول إلى واقع، والجامعة وهي تعبر بثقة من مرحلة التأسيس إلى آفاق العالمية، في مسار لم يعرف التوقف، ولم يفقد بوصلته نحو التميز.
لقد ارتبطت جامعة الأمير سلطان ارتباطا وثيقا ومباشرا بأحد أهم التحولات المفصلية في مسيرة التعليم العالي في المملكة العربية السعودية، ذلك التحول الذي مثل ميلاد التعليم العالي الأهلي غير الربحي بوصفه رافدا استراتيجيا للتنمية الوطنية، وشريكا أصيلا في بناء الإنسان، وصناعة المعرفة، واستشراف المستقبل. ومنذ لحظة انطلاقتها، لم تكن الجامعة مشروعا تعليميا تقليديا، بل جاءت وهي تحمل رؤية طموحة ورسالة واعية، قوامهما أن تتبوأ موقع الريادة بين الجامعات الأهلية غير الربحية في المملكة ومنطقة الشرق الأوسط، وأن تقدم تعليما عالي الجودة ينهض بمعاييره ليضاهي أعرق الجامعات المتميزة في العالم. رؤية لم تطرح كشعار، بل اتخذت نهجا عملياً، وسارت بها الجامعة بخطى ثابتة، مؤمنة بأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان، وأن جودة التعليم هي الطريق الأصدق إلى التميز والاستدامة.
ومع تعاقب الأعوام، مضت جامعة الأمير سلطان في مسيرتها بخطى واثقة لا تعرف التردد، عاما بعد عام، وهي تشق طريقها في التطوير الأكاديمي والمؤسسي برؤية واعية ونفس طويل، حتى بلغت مكانتها المستحقة، وتوجت مسيرتها بالحصول على الاعتمادات الأكاديمية العالمية. ولم يكن ذلك إنجازا عابرا أو ثمرة صدفة، بل حصيلة رؤية بعيدة المدى، وتخطيط محكم، وعملٍ مؤسسي راسخ، آمن بأن جودة المخرجات هي المعيار الأصدق لنجاح المؤسسات، والركيزة الأهم لاستدامة التميز.
كما مضت جامعة الأمير سلطان أيضا بخطى مدروسة عبر مسارات متعددة، جعلت من بناء السمعة العلمية والمهنية لخريجيها هدفا استراتيجيا لا يحيد عنه النهج ولا تغيب عنه البوصلة. فعملت على تطوير برامجها الأكاديمية، واستقطاب الكفاءات المتميزة، وتحديث خططها الدراسية بروحٍ تستشرف المستقبل، وتواكب متغيرات العصر، وتستجيب بوعيٍ عميق لاحتياجات سوق العمل. وقد أثمرت هذه الجهود المتراكمة عن برامج جامعية عالية الجودة، تجسدت آثارها بوضوح في تخريج كوادر وطنية من الخريجين والخريجات، راسخة المعرفة، عالية الكفاءة، قادرة على المنافسة بثقة واقتدار. ولم يكن حضورهم اللافت في سوق العمل إلا انعكاسا طبيعيا لجودة الإعداد، حتى غدا خريج جامعة الأمير سلطان عنوانا للموثوقية، ومحل استقطاب سريع، لما يحمله من علم متين، ومهارة واعية، وشخصية مهنية وقيادية متزنة.
وكيف لا تبلغ جامعة الأمير سلطان هذه المكانة الرفيعة، وقد تصدر هرمها الإداري قامات وطنية استثنائية، في مقدمتهم سمو الأمير الدكتور مهندس عبدالعزيز بن محمد بن عبدالعزيز بن عياف آل مقرن، رئيس مجلس الإدارة، الذي جمع في قيادته بين عمق الرؤية الهندسية، وحكمة القرار الإداري، وبعد النظر الإستراتيجي. فكان حضوره القيادي شاهداً حياً على أن المنهجية العلمية حين تقترن بحسن الإدارة تثمر تميزاً مستداماً، وأن التخطيط الدقيق، والبناء على أسس راسخة، هما الطريق الأوثق لصناعة النجاح المؤسسي، وترسيخ مكانته.
ويليه في مسيرة العطاء الدكتور مهندس أحمد بن صالح اليماني، رئيس الجامعة، الذي قاد الدفة بحنكة واقتدار، جامعاً بين العلم الراسخ والخبرة الطويلة، والرؤية الواضحة التي تترجم إلى واقع ملموس. تحت قيادته، صارت الجامعة كل يوم تصنع نجاحاً جديداً، وتضيف إنجازاً يرفع سجلها الزاخر، لتصبح تجربة الريادة نموذجا حيا يحتذى به، وتجسيداً حقيقيا للمقولة (بأن المهندسين حين يتولون الإدارة يبدعون فيها)؛ لأنهم يفكرون بمنهجية، ويخططون بدقة، ويبنون على أسس متينة، فيصنعون مؤسسات لا تقدر إنجازاتها بالزمن وحده، بل بحجم الأثر الذي تتركه في المجتمع وفي حياة من حولها.
أما بقية الهرم الإداري، فقد تشكل من خيرة أبناء هذا الوطن، الذين أتقنوا فن الإدارة، وأخلصوا لرسالة التعليم بكل تفان ووعي، فكان حضورهم بمثابة نبض متوازن في جسد المؤسسة، انعكس انسجاماً إدارياً فريداً، وخلق بيئة عمل راقية تتناغم فيها الأدوار، وتتوحد فيها الأهداف، فتتضافر الجهود، وتثمر القرارات، وتترسخ ثقافة التميز في كل زاوية من أركان الجامعة. كانت هذه البيئة بمثابة الرافد الذي يغذي نجاح القيادة، ويصنع فارقاً ملموساً في كل إنجاز، وفي كل خطوة نحو العالمية.
ولم يكن التميز حكراً على القيادات وحدها، بل شمل كل فرد من منسوبي الجامعة، الذين اختيروا بعناية فائقة، جامعين بين الكفاءة العالية والخلق الرفيع، وبين المهنية الراقية والاحترام العميق. فصاروا نموذجا حيا للالتزام، يترجم قيم الجامعة في كل تفاعل، حتى لم يجد الطالب أو المراجع أمامه إلا خدمة صادقة، وتقديراً راقياً، وتعاملاً إنسانياً ينبع من قلب مؤمن برسالة التعليم. لقد صاغ هؤلاء الموظفون، بعطائهم وحرصهم، بيئة عمل تتنفس الإنسانية والجودة في آن واحد، فكانت كل لحظة داخل الجامعة شاهدة على الإخلاص في العمل، والتميز في الأداء، وسمو القيم التي تتخطى حدود الوظيفة لتصبح تجربة إنسانية راقية.
أما أعضاء هيئة التدريس، فهم بحق نخبة من الكفاءات العلمية والبحثية، الذين لم يقتصر دورهم على نقل المعرفة فحسب، بل امتد إلى بناء عقول الطلاب وصقل شخصياتهم، وربط الفكر النظري بالواقع العملي بخبرة وبصيرة. لقد كانوا عماد الجامعة وأساسها المتين، فكانت مساهماتهم ركيزة حقيقية في ترسيخ السمعة الأكاديمية المرموقة للمؤسسة. ومن خلال حضورهم المتفاني، أصبح الطلاب لا ينهلون العلم فحسب، بل ينهلون قيم الاجتهاد، وروح الابتكار، والانضباط الفكري والأخلاقي، لتتحول تجربتهم التعليمية إلى رحلة ملهمة تشكلهم كقادة ومستثمرين في المستقبل، حاملي راية التميز والريادة في كل مجال يخوضونه.
ويكتمل المشهد في الجامعة بما حظيت به من تخطيط هندسي متقن، ومبانٍ حديثة، ومساحات خضراء تسحر الأبصار وتبعث الطمأنينة في النفوس. هذه البيئة، التي توازن بين جمال المكان وروح العلم، والراحة النفسية والتحصيل الأكاديمي، لم تصمم من أجل المظهر فحسب، بل لتكون مساحة حاضنة للإبداع، وملاذاً يزرع في الطالب الثقة والانضباط، ويهيئ العقل والقلب للتفوق والتميز. فهي جامعة تذكر كل من يخطو إليها بأن التعليم تجربة متكاملة، وأن بيئة الدراسة جزء لا يتجزأ من تكوين الشخصية وصقل المعرفة، ومنبع للنجاح الذي لا يقتصر على المعرفة النظرية، بل يشمل الإنسان كله: عقله، روحه، وإبداعه. ولهذا، لم يكن غريبا أن يتبوأ خريجو جامعة الأمير سلطان مواقع الصدارة في سوق العمل، وأن ينظر إليهم بوصفهم نموذجا حيا للجمع بين المعرفة المتينة، والمهارة الاحترافية، والانضباط الرفيع. فهم ثمرة بيئة جامعية واعية، وإدارة تؤمن بالتميز كقيمة، ورسالة واضحة لا تحيد عن أهدافها، تنسجها رؤية بعيدة المدى، وخطط مدروسة، وإشراف دائم. لقد خرج هؤلاء الخريجون حاملين معهم روح الجامعة وقيمها، وعينا ترى الفرص، وعقلاً يفكر بحكمة، وقلباً ملتزماً بأخلاقيات العمل والمعرفة، ليصبحوا في كل موقع ينهضون به مثالا للنجاح، وشاهداً حياً على أثر التعليم المتكامل في صناعة الإنسان القادر على صناعة المستقبل.
إنها جامعة لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية تقليدية، بل تجربة وطنية رائدة، ومدرسة متفردة في فن الإدارة، ونموذجاً يحتذى في التخطيط الاستراتيجي، ومنارة علمية ساطعة، أسهمت ولا تزال في صناعة الإنسان وبناء المستقبل. فهي أكثر من جدران ومبان، أكثر من مناهج ودرجات، إنها روح الإبداع والتميز، ونبع القيم والمعرفة، ومساحة يلتقي فيها الطموح مع الإنجاز، لتصبح كل خطوة فيها درساً في الاجتهاد، وكل إنجاز شاهدا على قدرة الإنسان على تحويل الرؤية إلى واقع، وحلم الوطن إلى حقيقة متألقة.
وختاما، تبقى هذه الكلمات شهادة وفاء واعتزاز، أقولها بصدق من عاش التجربة، لا بلسان عابر، ولا بقلم بعيد، بل بقلب يعرف أن جامعة الأمير سلطان كانت وستظل قصة نجاح تروى، وتاريخا يفخر به. وسأظل مدى الحياة أفتخر بأنني كنت جزءا من هذه الجامعة العريقة، وعملت تحت إدارتها الرشيدة الرفيعة، التي جسدت أعلى معايير القيادة، وارتقت بالمؤسسة إلى آفاق التميز، وعلمت كل من احتك بها أن الطموح يتحقق بالاجتهاد، وأن النجاح المستدام هو حصيلة رؤية واضحة، وعمل دؤوب، وقيم راسخة. ولهذا، ستظل الجامعة في القلب ما دام به نبض، وستظل في الشريان ما دام يجري فيه الدم، حية في الذاكرة، متجددة في العطاء، شاهدة على كل جهد وبذل، ومصدر فخر لكل من حمل شعارها وارتبط بها.