عبدالوهاب الفايز
في كتاب الدكتور يوسف السعدون الذي جاء بعنوان: (من نافذة الأحداث: الهوية العربية والإسلامية في عالم مضطرب)، منشورات دار جداول، ديسمبر 2025. من هذا العنوان نستشف أان المؤلف أراد أن نطل على الحوادث الجارية بين أيدينا، لنراها من نافذة التدبر والتأمل وإعمال الفكر، والعودة إلى التاريخ بما فيه من عبر ودروس.. لمن أراد أن يعتبر ويتعلم.
ويبدو أن اختيار (من نافذة الأحداث) عنوانا للكتاب جاء في الوقت المناسب، خصوصا مع تصاعد الأحداث حولنا بالذات في اليمن، وانكشاف مشروع تآمري لتقسيم اليمن وإدخاله في دومة الفوضى، وهو أمر لا ينحصر شره وخطره على اليمن، بل يتعدى إلى وحدة شعوب دول مجلس التعاون، وإلى الأمن القومي العربي؛ ورب ضارة نافعة، فهذا المشروع وحّد اليمنيين وأخرج لنا نماذج كلاسيكية لرجال دولة وقيادات يمنية اكتسبوا الأدب والحكمة ودهاء السياسة والصدق عند اللقاء..
وهؤلاء الشرفاء كانوا مبتعدين عن المشهد، ويحسب لهم وقفتهم القوية المجردة من الهوى. لقد أعلنوا بكل صرامة رفضهم التدخل في بلادهم لأجل الهيمنة وشق الصف، وهذا يؤكد -من جديد- أن اليمنيين ينزعون إلى الاستقلال، ويأنفون من حكم الغريب، إذ سريعا ما يتحدون إذا شعروا أنهم في قارب واحدة.
ورفضهم لحكم الغريب الأجنبي ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو جزء أصيل من الشخصية اليمنية الجماعية، متجذر في التاريخ، والبنية القبلية، ومحددات الجغرافيا، ويظل أحد أقوى الثوابت في الوعي اليمني عبر العصور.
هذه الحقيقة أيضا بقيت من ثوابت الوعي السعودي بحقيقة الشعب اليمني والتي وضعها الملك عبدالعزيز رحمه الله. معروف تاريخيا أنه أعاد الجيش السعودي من أقصى الساحل اليمني، فالشعب اليمني تتعايش وتتشارك معه الخبز والملح، وتستمتع معه بحب العرب وبحب العروبة التي تعود جذورها وهويتها الأصيلة إلى هذا البلد العربي الأقدم.
هذه من تداعيات الأحداث الجارية، أعذروني، لقد ابتعدت عن المنتج الفكري في كتاب الدكتور السعدون.
أذكر، قبل بضعة أشهر، أن الأخ العزيز الصديق الدكتور يوسف في سعيه لاختيار عنوان بين عدة عناوين لكتابة، استشار عن مدى مناسبة عنوان (والأحداث لم تنم). وبحكم أنه قارئ جيد متابع للتاريخ والأدب كان يميل لهذا العنوان من قصيدة شاعر العرب والعروبة الكبير أحمد شوقي التي منها قوله:
الدَهرُ يَقظانُ وَالأَحداثُ لَم تَنَمِ
فَما رُقادُكُمُ يا أَشرَفَ الأُمَمِ
لَعَلَّكُم مِن مِراسِ الحَربِ في نَصَبٍ
وَهَذِهِ ضَجعَةُ الآسادِ في الأَجَمِ
لَقَد فَتَحتُم فَأَعرَضتُم عَلى شَبَعٍ
وَالفَتحُ يَعتَرِضُ الدَولاتِ بِالتُخَمِ
هَبّوا بِكُم وَبِنا لِلمَجدِ في زَمَنٍ
مَن لَم يَكُن فيهِ ذِئباً كانَ في الغَنَمِ).
***
ولكنه اختار هذا العنوان، حتى ننظر للحاضر من نافذة التاريخ الذي تتجدد حاليا احداثه المشابهة كالتي وقعت في الأندلس.
في الكتاب ينقل عن ابن حزم الأندلسي، في رسائله عن ملوك الطوائف، الوصف التالي للحال آنذاك قائلًا: «اللهم إننا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم. والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم، ورجالهم يحملونهم أسرى إلى بلادهم، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعًا فأخلوها من الإسلام، وعمروها بالنواقيس»، ص225.
وفي التاريخ الحديث وقبل قرن تقريبًا، يسترجع المؤلف ان الملك المؤسِّس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، رحمه الله، كان يحذر من خطورة التدخلات الخارجية وأثرها المؤدي إلى تشرذم العرب والمسلمين. يورد أن الملك عبدالعزيز – كما ذكر محمد جلال كشك في كتابه السعوديون والحل الإسلامي – قال: «الحقيقة المرّة التي يجب أن نعترف بها هي أننا نحن المسلمين لا نحب بعضنا بعضًا، بل نكيد لبعضنا حتى عند الأعداء، ولا نجد في ذلك غضاضة في أنفسنا.. وأنّ سبب بلايانا من أنفسنا لا من جانب الأجانب. فالأجنبي يأتي إلى بلد ما، فيه الملايين من المسلمين، فيعمل بمفرده. فهل يعقل أن فردًا بمقدوره أن يؤثر على ملايين من الناس إذا لم يكن له بين هذه الملايين أعوان يساعدونه ويمدونه بآرائهم وأعمالهم؟»
ويعلق الدكتور السعدون على هذا متسائلا: «هل يأخذ العرب العِبرة من التاريخ، وهم يرون حالهم يتردى كحال عهد ملوك الطوائف ويطل عليهم الفونسو السادس مرة أخرى في صورة دولة إسرائيل وشخصية المجرم الصهيوني نتنياهو وأعوانه؟»، ص225.
وإدراك الملك عبدالعزيز بخطورة التشرذم وفتح الطريق للأعداء وقناعته بهذه الحقيقة المستقرة في التاريخ السياسي منبعها فطنته السياسية وغيرته على الدين وعلى العروبة، وهي التي ساعدته في مشروع الوحدة الوطنية لبلادنا.
لقد تعرضت بلادنا منذ تأسيها، قبل ثلاثة قرون، إلى تآمر القوى الكبرى التي سعت إلى تدميرها مرتين متتاليتين لأنها دولة أسست حكومة مركزية في الجزيرة العربية، وهذا أخاف وأرعب الدول الكبرى المتآمرة على الشعوب الإسلامية الواقعة في قلب العالم.
وهذا الموقع الجغرافي – كما أشرنا في مقال الأسبوع الماضي - هو مصدر الثروات، والقوة السياسية، والاقتصادية، والروحية. القوى الطامعة بالمنطقة خافت من عودة الدول الاسلامية إلى الوحدة والقوة وخدمة شعوبها.
والآن، الله يعين بلادنا على مكائد الصهاينة! حين تتخذ بلادنا المواقف الصلبة والصادقة للدفاع عن امنها الوطني، وعن مصالح الشعوب العربية والإسلامية، فهذا قدرها كراعية للحرمين الشريفين.
إنها بلاد لم يزرعها ويؤسسها المحتل، وحكامها لم يحمهم ويرعاهم المحتل الأجنبي. وهذا الذي يجعلهم يصمدون ويقوى عودهم. الحكومات تصمد وتبقى حين تسترشد بالمبادئ والقيم السامية، لا بالمصالح. وحين تدافع عن مصالح الشعوبية العربية السيادية، فإنها حتما سوف تستفز القوى الكبرى المتربصة في المنطقة وتكتسب عداوتها. وأغلب الموضوعات التي تضمنها الكتاب تركز على إبراز أهمية الوعي بخطورة البيئة الدولية المعاصرة، وما يتجاذبها من أفكار وتيارات، وهجوم على الهويات الوطنية.
وهذا ما أكد عليه كتاب من نافذة الأحداث. من مقدمة المؤلف نقف عند هذه الفقرة المهمة، يقول: «اليوم، ونحن نعيش زمن التحولات العاصفة، تبدو أمتنا مرةً أخرى عند منعطفٍ تاريخيٍ حاسم. فتنٌ تتناسل من رحم الفتن، وحروبٌ تُشعلها أيدٍ لا نراها، وتحالفاتٌ تتبدّل كما تتبدّل الفصول. وعالمٌ يسوده التضليل الإعلامي، وتتقدّم فيه الأكاذيب على الحقائق، ويُعاد فيه تشكيل العقول كما تُعاد صياغة الخرائط. فما جرى ويجري في عالمنا العربي والإسلامي خلال العقود الأخيرة، من فتنٍ وانقساماتٍ وصراعاتٍ دامية، لم يكن وليد لحظة عابرة ولا نتيجة خطأٍ في التقدير السياسي. بل هو نتاج مخططاتٍ عميقةٍ ومؤامراتٍ مدروسةٍ نُسجت بخيوطٍ أجنبية وصهيونية، استهدفت ضرب هوية الأمة في الصميم وتشويه صورتها وإضعاف إرادتها، حتى تُقاد لا أن تقود. لقد تحولت منطقتنا إلى ساحةٍ مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، وميدانٍ لتجارب القوى الكبرى التي وجدت في ضعف الداخل العربي والإسلامي مدخلًا لتحقيق مطامعها. فالحروب لم تُشعل عبثًا، والانقسامات لم تتفجر صدفةً، والتطرف لم يولد من فراغ.
كل ذلك كان ثمرةَ تآمرٍ خارجيٍّ متقنٍ التوقيت والتنفيذ، وجد تربةً خصبةً في أخطائنا الذاتية وتناحرنا الداخلي. وفي خضم هذا الاضطراب، لم يعد السؤال: هل هناك مؤامرة؟ إنما كيف نجعل وعيَنا أقوى من مؤامراتهم؟ وكيف نُحصّن الداخل قبل أن نُدين الخارج؟»