أ.د.صالح معيض الغامدي
أثناء إدارتي لأمسية شعرية للشاعرة الدكتورة دلال المالكي أوردت الشاعرة في معرض ردودها على أسئلتي وأسئلة الحضور عبارة لفتت انتباهي، مفادها أننا « نمحو الذاكرة بالكتابة»، ومن شدة اهتمامي بهذه العبارة ختمت تقديم الأمسية بها على طريقة الإعلامي المميز عبدالله المديفر.
ولكن اهتمامي بهذه العبارة لم ينته عند هذا الحد، بل استمر التفكير فيها، وقلت إذا كان هذا الأمر قد ينطبق على الشعر والرواية والقصة وربما على غيره من الفنون الأدبية الأخرى، فهل ينطبق على فن السيرة الذاتبة التي بدا لي أنها تسير بالعكس، أقصد أنها تمحو النسيان بالتذكر. فكيف نتخيل أن كاتب السيرة الذاتية الذي يعتمد في كتابة سيرته الذاتية اعتمادا رئيسا على ذاكرته يكتب سيرته لكي يمحو ذاكرته؟!!
والحقيقة أنني بعد أن تأملت هذه العبارة وجدت أنها ربما تصدق على السيرة الذاتية أيضا (مثل الفنون الأخرى)، ولكن يكون معنى المحو في العبارة معنى مجازيا وليس حقيقيا، فمحو الذاكرة بمعنى إلغائها تماما يبدو أنه أمر صعب، إن لم يكن مستحيلا. فكيف يكون هذا المحو المجازي وما دلالاته وأنواعه في كتابة السيرة الذاتية (وسأركز هنا على السيرة الذاتية بحكم الاهتمام، وإلا فإن ما سأذكره هنا قد يتقاطع مع ما يحدث في كتابة الأشكال الأدبية الأخرى).
فمن دلالات محو الذاكرة المجازي في السيرة الكاتبة التحرر من هذه الذكريات وبخاصة القاسية منها، وإخراجها من الذاكرة بكتابتها ورقيا أو بأي صيغة أخرى من صيغ التعبير.
فالتخلص من وطأة هذه الذكريات ومن المشاعر المرتبطة بها هو بمثابة محو لها، على الأقل من مركز الاهتمام الواعي داخل الذات الكاتبة. وهذا الأمر يتقاطع مع فكرة التداوي بالكتابة، وفي السيرة الذاتية يتحقق هذا التداوي بالكتابة الذاتية تحديدا التي تعتمد على الذاكرة، ويمكن تشبيه الذاكرة الذاتية التي يعتمد عليها كاتب السيرة الذاتية بالشمعة التي تحرق ذاتها لتضيء للناس، فهو يعتمد عليها في عملية التحرر والتداوي وفي نفس الوقت يقوم بمحوها مجازيا عند الكتابة، كما ذكرنا.
ومن الدلالات المجازية للمحو في السيرة الذاتية الاستبدال أو الاستعاضة، بمعنى أن الكاتب يستعيض عن ذاكرته القديمة المشوشة بذاكرة جديدة مكتوبة أقل تشويشا واضطرابا، تكون منتقاة بدقة من ذاكرته الماضية، تخلو أو تكاد من المشاعر السلبية المرتبطة بالتجارب الحياتية السلبية التي عاشها، أي أنه بهذا المعنى لا يمحو الذاكرة بالضرورة، بل يمحو آثارها السيئة.
ومن دلالات المحو الأخرى المحتملة «التحييد»، أعني تحيييد التجارب والأحداث القاسية في حياته المخزنة في ذاكرته، وذلك بمحاولة تفسيرها إيجابيا وعقلنتها وتبريرها وتسويغها، وتكون هذه الاستراتيجيات مرتبطة بالحاضر أكثر من ارتباطها بالماضي بالضرورة، كما أنها قد لا تخلو من قدر لا بأس به من الاختلاقات الرغبوية التي كان يتوقع أو حتى يتمنى وجودها في ماضيه.
ولعلنا نختم هذا المقال بالإشارة إلى أن فكرة المحو قد تفسر بعض أبعاد ما يسمى الآن بسرود «التخييل الذاتي» الذي تختلط فيه الذاكرة بالخيال، أو التذكر بالتخييل، إلى درجة يصعب التفريق بينهما أحيانا، فالكاتب في التخييل الذاتي يقول، وفقا لهيوز،» هذا أنا ولست أنا». وفي هذه الحالة يكون معنى المحو إسقاط هيمنة الذاكرة أو على الأقل إضعافها في كتابة السيرة الذاتية، وإدخل الخيال أو التخييل في ثناياها بحيث تفقد نفوذها وهويتها التقليدية في الكتابة السير ذاتية.