الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
في ظل الظروف المتغيرة المتسارعة والاحتياجات المستقبلية، يرى البعض من المختصين والمهتمين بالشأن الوقفي أهمية مضاعفة الجهود لتطوير وتنمية الوقف، بغض النظر عن المخاطر والتحديات التي يمكن أن تواجه الأوقاف، في حين يرى آخرون أنه ليس كل توسع في الأوقاف يكون إيجابياً وصحياً بالضرورة لوجود بعض المحاذير والمتغيرات.
«الجزيرة» ناقشت القضية مع عدد من المختصين والمهتمين في الحقل الوقفي.
ضوابط مؤسسية
يقول الدكتور ماهر بن عبدالغني الحربي أستاذ الفقه والقضاء ورئيس قسم الفقه بكلية الحقوق بجامعة طيبة: أعتقد أن الجميع يُدرك الحاجة الماسة للتوسع في الأوقاف وتنميتها؛ لتحقيق أهدافها المستقبلية وضمان استدامتها، ويجب أن يتم التوسع بحذر وفق ضوابط مؤسسية، وتراعي المخاطر والمحاذير من التوسع التي قد تؤدي إلى فقدان الأصل الموقوف.
ويبين د. ماهر الحربي أن التوسع في الأوقاف وتنميتها لا يتأتى إلا بوضع ضوابط مؤسسية تراعي عدة أمور أهمها:
1- تحقيق مقاصد الوقف؛ لأن الوقف وجد ليبقى ولا يمكن بقاؤه إلا بتنميته.
2- مواجهة التحديات عبر توفير مصادر دخل للوقف لمواجهة التضخم والتغيرات الاقتصادية.
3- تلبية الاحتياجات المتغيرة، لأن المجتمعات تتغير وتتطور ويمكن للأوقاف أن تلبي تلك الاحتياجات.
4- الاستثمار الأمثل بالمحافظة على الأصول وتنميتها.
ويشير د. ماهر الحربي على أن وجود بعض المحاذير والمخاطر في التوسع في تنمية الأوقاف التي قد تؤدي إلى التعثر وخسارة الأصل الموقوف أو تجميد أمواله، لا يجب أن تكون عائقاً أو مانعاً من التوسع في تنمية الأوقاف، بل تجعلنا حين التوسع في تنمية الأوقاف مدركين أهمية التوازن في جوانب أهمها:
1- التوازن بين تحقيق النمو المادي وبين الغاية الأسمى من الوقف وهو البر والخير، وذلك لئلا يتحول الوقف إلى مشاريع ربحية وتطغى على الهدف الأسمى منه وهو البر والخير.
2- التوازن بين تحقيق الربح وبين تعظيم الفائدة المجتمعية عبر صيغ التشغيل والبناء والتأجير.
3- التوازن بين استشراف المستقبل عند تنمية الأوقاف وبين تحديد الاحتياطات لضمان الاستمرارية والاستدامة.
ومن خلال ذلك ندرك أن التوسع في الأوقاف يتطلب تحديثاً للأساليب الإدارية والرقابية، وتوظيف التكنولوجيا بدمج الذكاء الاصطناعي وتقنيات «البلوكشين» في إدارة العقود الوقفية لضمان الشفافية وتقليل التكاليف التشغيلية، واستقطاب الكفاءات، وتوظيف أدوات الاستثمار الحديثة بالتحول إلى نموذج «المحفظة الاستثمارية المتنوعة» التي تجمع بين الربحية المالية والأثر الاجتماعي المستدام، وتوسيع مفهوم ما يمكن وقفه (منافع وحقوق) لزيادة العوائد وتوسيع دائرة المستفيدين، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية (مثل: الهيئة العامة للأوقاف) لضبط الحدود والصلاحيات وضمان الالتزام بالضوابط الشرعية.
فالتنمية للأوقاف ضرورية، ويجب أن تكون تنمية واعية ومستدامة تحقق التوازن بين النمو المادي، والالتزام الشرعي، والخدمة المجتمعية الفاعلة، مع إدراك أن التوسع الصحي، هو الذي يحقق المقاصد من الأوقاف ويوازن بين أهدافه وغاياته.
أنظمة وتشريعات
ويشير الدكتور أحمد بن عبدالعزيز الشثري أستاذ الفقه بجامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز: إلى أن الوقف شريعة متبعة وسنة محكمة رغب فيه الإسلام وحث عليه في نصوص متواترة من الكتاب والسنة، وعلى ذلك إجماع سلف الأمة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ورحمهم، وأوقف أهل الإسلام على مر التاريخ الإسلامي فكثرت الأوقاف وعظمت وتنوعت وخدمت الأوقاف أهل الإسلام وقامت على كثير من الأوقاف شؤونهم ومصالحهم الخاصة والعامة، ويعد ذلك إيجابياً ونعمة عظيمة ومن مفاخر الإسلام، والعمل الخيري والوقفي لا يخلو من تحديات وصعوبات لكن ينبغي تذليلها لمصلحة الوقف وسن التشريعات والأنظمة لتطوير الأوقاف وحمايتها من أيدي العابثين وهذا ما قرره فقهاء الإسلام من طلب موافقة القضاء عند طلب تبديل الوقف أو تغييره أو التصرف فيه بأنواع التصرفات لأجل حماية الأوقاف، وهذا ما تعمل عليه الهيئة العامة للأوقاف في المملكة العربية السعودية، وكذلك وضع الحوافز المالية والإعفاءات من الإجراءات المالية التي تفرض على الأموال العامة، ولا يناقض ذلك التوسع في الأوقاف، بل ذلك من مصلحة الوقف والواقفين لاستدامة الأوقاف وعمارتها، وكما قيل إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن..
أسأل الله أن يبارك في الأوقاف والقائمين عليها وأن يخلف على الواقفين بخير.
تعزيز الوعي
ويؤكد الدكتور عبدالقيوم بن عبدالعزيز الهندي الأستاذ المشارك بكلية الأنظمة والاقتصاد بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة: أنه ليس كل توسع في الأوقاف هو إيجابي وصحي بالضرورة، قد يعكس اختلالات وتخوفات تدفع نحو الوقف ليمثل حلا مؤقتاً، وحينها سيوظف الوقف في غير مراده وقد يسيء ذلك للصورة الذهنية عن الأوقاف في العقل الجمعي للمجتمع، ومع الاحتفاء بتحسن إقبال المجتمع نحو الأوقاف، قد نحتاج أن نعزز الوعي الجيد بأهمية دراسة الاتجاه/ الظاهرة، وعند دراسة الأوقاف الذرية في مجتمعنا، سنحتاج أن نحلل وثائق الأوقاف وندرس مدى ملاءمتها على المستوى المنظور والمتوسط والبعيد، ونستشرف مستقبل تلك الأوقاف الذرية وانعكاساتها على المستفيدين، والاقتصاد والمجتمع، وسيكون من مكتسبات ذلك تعزيز الوعي الجيد والمتزن وترشيد التوجه نحو الأوقاف، وحينها لن يحتفى بالأرقام فحسب، بل بنوعية الأوقاف، وتجويد الممارسات، وإن تضاءل الكم.