الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
قالت الأستاذة عالية بنت عوض آل سلطان الداعية، والمهتمة في الشأن الاجتماعي والأسري إن الأسرة في مجتمعنا المسلم هي الحضن الأول للحياة، وهي البيئة التي يتشكل فيها وجدان الأبناء ومفاهيمهم عن الأمان والعدل والرحمة.
ولقد كثرت الخلافات الزوجية في الآونة الأخيرة، غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الخلاف، بل في كيفية إدارته، وما إذا كان يتم داخل غرفة مغلقة، أم أمام الأطفال وعلى حساب قلوبهم ومستقبلهم النفسي والاجتماعي.
وشددت الداعية عالية آل سلطان في حديثها لـ»الجزيرة»: إن إقحام الأبناء في المشكلات الزوجية -صراحة أو تلميحًا- يعد خرقًا لحقهم في الأمان النفسي، وقد يصل إلى مستوى الجناية التربوية التي لا يُرى أثرها فورًا، لكنها تترك ندوبًا داخل النفس قد ترافقهم مدى الحياة، وإنه حين يسمع الابن شكوى أحد والديه من الآخر، أو يُستدرج ليكون شاهدًا، أو يُسأل عن موقفه، أو يتعرض للضغط العاطفي ليقف مع طرف ضد آخر، فإنه يدخل في صراع داخلي قاسٍ؛ إذ ينظر إلى كلا الطرفين باعتبارهما مصدر الحب والرعاية، وفي حين يُطلب منه الانحياز، يجد نفسه حائرًا بين ولاءين لا يمكن الجمع بينهما، عندئذ لا يخسر الابن فقط استقراره النفسي، بل يهتز مفهوم القدوة في داخله، وتتزعزع ثقته في البيت الذي يُفترض أن يكون أكثر الأماكن أمانًا وطمأنينة.
وأبانت الأستاذة عالية آل سلطان أن التربية السليمة تقتضي أن تُسمَع الخلافات بأذنين راشدتين لا بأذن الأبن أو الأبنة، وأن يمتص الوالدان أثر الانفعال بدلًا من أن يتركاه يتسرب إلى قلب صغير لا يدرك أسباب النزاع، مشيرة إلى أن الشريعة الإسلامية جاءت لتغرس في الأسرة قيم الستر، وحسن المعاشرة، وحفظ الكرامة الإنسانية، قال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، كما أمر سبحانه بحسن القول حتى مع سائر الناس: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)، فكيف بمن يشاركه الإنسان بيته، وطعامه، وعمره، وأبناءه؟ وليس من المعروف أن يُشوَّه أحد الوالدين في عين أبنائه، أو يُستغل الانفعال لزرع الكراهية في النفوس؛ فهذا يناقض روح الإسلام التي تدعو إلى الإصلاح، وتحرم الظلم، وتنهى عن النميمة والغيبة وإفساد ذات البين.
ومن ميدان الإرشاد الأسري، أكدت عالية آل سلطان أن الابن لا يحتاج إلى والدَين مثاليين، بل يحتاج إلى بيت آمن، فإذا وقع الخلاف -وهو أمر طبيعي- فإن حفظه عن الأبناء هو أول واجب تربوي نحوهم، والمطلوب أن تُدار المشكلة بعيدًا عنهم، وأن يُمنع انتقالها إليهم عبر اللفظ أو النبرة أو النظرة أو الشكوى. وحتى إن انتهت العلاقة الزوجية بالانفصال، فإن احترام الطرف الآخر أمام الأبناء هو أعظم هدية يقدِّمها الوالد لابنه، لأن هذا السلوك يحمي صورة الأب أو الأم في عين الأبناء، ويحفظ داخله شعور الانتماء، فلا يشعر أنه مكسور الجناح أو منسوب إلى بيت مهزوم.
واسترسلت الداعية عالية آل سلطان في حديثها:
لقد أنعم الله على مجتمعنا بكثير من الأسر المسالمة المتزنة، التي تتحرى الحكمة عند الخلاف، وتهتم بإغلاق الأبواب وحماية قلوب الأبناء، وهي نماذج مشرقة ينبغي تسليط الضوء عليها؛ لأنها تمثل التربية الراشدة التي تحوِّل الخلاف إلى درس، والانفعال إلى تجربة، والانفصال -إن وقع - إلى انتقال آمن يحافظ على كرامة الجميع، غير أن الوقاية تبقى أفضل من العلاج؛ فالاستبصار بالخلاف قبل تفاقمه، وطلب الاستشارة قبل الانفعال، والاعتراف بالخطأ قبل الاتساع، كل ذلك من أسباب حفظ البيوت وسلامة الأبناء، موضحة أنه ليس الخلاف الزوجي هو المشكلة، إنما المشكلة حين يصبح الأبناء طرفًا فيه، والبيت يمكن ترميمه، لكن قلب الطفل إذا انكسر ربما لا يجبره الزمن، وحين يحمي الوالدان أبناءهم من أن يكونوا ساحة صراع، فإنهما لا يحميان طفولتهم فحسب، بل يحميان مستقبل أمة بأكملها، لأن قلب الطفل هو البذرة الأولى في شجرة المجتمع.