يمرّ القطاع العقاري السعودي بمرحلة تحول نوعي غير مسبوقة، تقودها أدوات تنظيمية ورقمية تستهدف رفع كفاءة السوق وتعزيز الشفافية، حيثُ يمثِّل انتقال الإشراف على البورصة العقارية السعودية من وزارة العدل إلى الهيئة العامة للعقار إحدى أهم هذه الخطوات، التي لا يمكن قراءته كإجراء إداري فقط، بل كجزء من إعادة هيكلة متكاملة للمنظومة العقارية وكونها اختباراً حقيقياً لنضج الحوكمة العقارية في المملكة، بما تعكس نضج التجربة واستعدادها للانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الحوكمة الشاملة، بحيث تتجمَّع الأدوار التنظيمية والتشغيلية تحت مظلة واحدة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 .
فالمرحلة التأسيسية للبورصة، منذ إطلاقها بالربع الرابع من عام 2023 بقيادة وزارة العدل، حققت نجاحاً واضحاً، مستندة إلى قاعدة رقمية صلبة تمثَّلت في رقمنة وتوثيق أكثر من 200 مليون وثيقة عقارية، وهو إنجاز يُعد حجر الأساس لأي سوق عقاري منظم، فهذه القاعدة لم تُسرِّع الإجراءات فحسب، بل أسست لسوق أكثر شفافية وانضباطاً، إذ دلت عليها المؤشرات فسجَّلت البورصة تنفيذ أكثر من 350 ألف عملية عقارية منذ إطلاقها، لتعكس تحوّلاً هيكلياً في طريقة تداول الأصول العقارية، ليشهد عام 2025 وحده 265 ألف صفقة بقيمة تجاوزت 336 مليار ريال، وبمساحة متداولة قاربت 1.3 مليار متر مربع، وهنا تكشف بيانات البورصة عن تفاوت الأسعار.. بصدارة مدينة الرياض، بينما حافظت جدة على نشاطها.
إن نقل الإشراف إلى الهيئة العامة للعقار يُعدُّ أمراً منطقياً، يمثِّل انتقالاً من منطق «الخدمة» إلى منطق «التنظيم والحوكمة»، حيث تنتقل البورصة من منصة تشغيلية إلى أداة تنظيمية ضمن منظومة أشمل تُعنى بالسياسات العقارية، والتوازن السعري، وحماية السوق من التشوّهات.
ويُحسب لهذا الانتقال: (التنسيق الثلاثي بين وزارة العدل، هيئة العقار، ووزارة البلديات والإسكان، والاستفادة من خبرات موظفي البورصة لضمان الاستمرارية، مع التأكيد على عدم تأثر المستفيد أو الخدمة بأي شكل)..
والنتيجة تعزيز (توحيد المرجعية، تحسين الرقابة، ربط التداول بالسياسات العقارية والإسكانية بشكل مباشر).
وأخيراً: التقييم العقاري.. هو الحلقة الأهم في السوق الرقمية مع تضخم حجم التداولات وارتفاع القيم، التي تزداد فيها أهمية التقييم العقاري كأداة لضبط السوق.
فالبورصة العقارية، مهما بلغت دقتها، لا تغني عن التقييم المهني المحايد الذي يحدِّد القيمة العادلة للأصل العقاري، فبدون تقييم مهني، تتحول البيانات إلى أرقام مجردة لا تعكس الواقع الحقيقي للقيمة، كذلك الصندوق العقاري لا يكتمل المشهد دون الإشارة إليه، كونه يُشكِّل ضلعاً مكملاً للبورصة والتقييم، وهنا يكون هذا التكامل بين (البورصة، التقييم، والتمويل) هو ما يصنع سوقاً عقارية مستدامة.
** **
- عمار الزغيبي