ناصر زيدان التميمي
في هذا المنعطف التاريخي الحرج، لم يعد الصراع مجرد تباين في «طريقة العرض»، بل غدا صراعاً وجودياً بين «جوهر الكينونة» و«عرض الظهور». لقد استبدل العالم «الموسوعية» بـ«الموجز»، والعمق بـ«السطح البيني»، ليجد المتعلم نفسه في مواجهة حشودٍ يقودها «كهنة الخوارزميات» الذين لا يسألون عن «لماذا» بل عن «كم عدد المشاهدات؟».
يمضي الأكاديميُّ عمره في ترويض الفكرة، يغزل من خيوط الشك ثوب اليقين، بينما ينبثق مشهور المنصات ككائنٍ زجاجي؛ شفاف، سريع الانكسار، لكنه يعكس الضوء في كل اتجاه. إنها الفجوة بين «المعرفة التراكمية» التي تُبنى بالجهد والتعب والسهر، وبين «الشهرة الانفجارية» التي تُصنع بلمح البصر. هنا، يشعر المثقف بـ»يُتمٍ معرفي»؛ ليس لأن علمه فَقَد قيمته، بل لأن «البورصة الأخلاقية» للمجتمع بدأت تضاربُ بالوهم وتنبذ الحقيقة.
لقد سقطنا في فخ «ديمقراطية الجهل»، حيث صار صوتُ الباحث المتخصص يغرق في ضجيج الهواة. وحين يُحتفى بالتافه ويُهمّش النابغ، يقع الزلزال النفسي؛ فيبدأ المتعلم بالتشكيك في جدوى «الحرف»، ويتساءل بمرارة: «هل كان البحثُ عن الحقيقة مجرد وهمٍ في زمنٍ يقدّس الزيف؟». إن هذا الخلط بين «النجومية» و«الاستحقاق» هو التحدي الأكبر؛ فالنجومية تقتات على «الآن»، أما الاستحقاق فيقتات على «الأبد». المشهور يملك «الجمهور»، لكن المتعلم يملك «التاريخ». ومع ذلك، فإن التاريخ لا يُكتب بالصمت، بل بالمواجهة.
لذا، فإن الإتقان الحقيقي اليوم يفرض على المثقف «ثورةً في الأداة». ليس المطلوب منه أن ينزل إلى مستنقع الابتذال، بل أن يرفع «المنصة» إلى أفق العلم. عليه أن يدرك أن «البساطة» هي قمة التعقيد، وأن إيصال الفكرة العميقة في وعاءٍ شيّق هو أعظم إنجازات العقل المعاصر.
لقد انتهى عصر الصوامع المغلقة؛ فإما أن يكون المثقف «منارةً متحركة» تخترق غبار الرقمية، أو أن يرضى بالبقاء كقطعة أثرية في متحف النسيان. إنها دعوة لكسر اغتراب الروح؛ فالعلم الذي لا يتجسد في حياة الناس هو علمٌ لم يكتمل، والمعرفة التي لا تملك «لساناً عصرياً» هي حكمةٌ خرساء في عالمٍ صاخب لا يتوقف عن الصراخ.