عبدالوهاب الفايز
كما أشرنا في مقال الأسبوع الماضي، نكرر الآن القول: الله يعين بلادنا على مكائد الصهاينة!
منذ عقود مضت وحين تتخذ الحكومة السعودية المواقف الصلبة والصادقة للدفاع عن أمنها الوطني، وعن مصالح الشعوب العربية والإسلامية، تبدأ تخرج للعلن -بالذات من قادة إسرائيل وممن يدعمون مشاريعها- التصريحات والتلميحات بتحريك الملفات لبلادنا وقادتها، والدفع بمشاريع التهديد بالتخريب والتقسيم.
ومن تجربة السنين الطويلة تعلمنا أن الايمان بالمبادئ هو صمام الأمان، وهو الذي يحصننا ضد مكر الأعداء او تخاذل الأصدقاء.. بلادنا هذا قدرها، دولة محورية أساسية في المنطقة، وراعية للحرمين الشريفين، دولة قائدة، والقيادة معاناة.. وكما قال ناصيف اليازجي:
وَمَنْ يَكُ ذا رَأْسٍ يَكُنْ ذا مَشَقَّةٍ
فَإِنَّ العَلا في الرَّأْسِ لا في القَوائِمِ
نعم، قدرنا أن نكون الرأس الذي يتحمل مشقة القيادة ومسؤوليتها.
هنا نكرر القول والفخر والاعتزاز بأن بلادا لم يزرعها ويؤسسها المحتل، وحكامها لم يحمهم ويرعاهم الطامع الطامح الأجنبي. وهذا الذي يجعلهم يصمدون ويقوى عودهم حين المدلهمات؛ والحكومات تصمد وتبقى حين تسترشد بالمبادئ والقيم السامية، لا بالمصالح. وحين تدافع بلادنا عن مصالح الشعوبية العربية السيادية، فإنها حتما سوف تستفز القوى الكبرى المتربصة في المنطقة وتكتسب عداوتها.
وأطماع الأعداء في المنطقة لن تنتهي، واليوم نرى صورة منها، وهذه لا تواجه بالحسرات والدعوات والتضرعات فقط، بل باتخاذ أسباب المواجهة، ما يفل الحديد إلا الحديد. والحل قيام تحالف جديد لـ(التعاون والأمن والتنمية) يجمع الدول العربية والإسلامية، كخطوة استراتيجية حاسمة لحماية السيادة والاستقرار لدولنا.
هذا الاقتراح نراه (ضرورة وجودية) يستجيب للمرحلة الخطيرة للمشروع الصهيوني، الذي ينتقل إلى (مرحلة كسر العظم)، وفي أحد العواصم الإبراهيمية هناك من خرج وحذر ويدعي ان لديه علما أكيدا بالصهاينة، حيث يحذر بأن (إسرائيل قادرة تدق من يرفع رأسه ضدها!!). هذه ملامح المرحلة المؤسفة التي نعيشها، ملامح سوف تُدخل المنطقة في حقبة من الاضطراب وعدم اليقين، وتخدم استراتيجية غربية كبرى بدأت بعد حرب أكتوبر 1973.
في تلك الحرب، استخدم العرب سلاح النفط للمرة الأولى بفاعلية، مما أحدث صدمة وجودية للدول الاستعمارية الغربية التي لم تستطع نفسياً وفكرياً التعايش مع وجود قوة قادرة على مواجهة نفوذها وتغيير قواعد اللعبة والاشتباك. رد الغرب بسرعة بأحد أقوى أسلحته المضادة: وضع الخطط والمؤامرات لإعادة تدوير عوائد النفط، استعادتها للملاذات المالية والاستثمارية الغربية، لاستمرار تعزيز الهيمنة المالية والسياسية على المنطقة.
واليوم، نشهد انتقال إسرائيل من وضعية الدفاع إلى (الردع العسكري) المفتوح، حيث توسع عملياتها العسكرية لتشمل ضرب الأعداء والحلفاء على حد سواء، مدعومة بغطاء أمريكي عسكري وسياسي وقانوني.
وقادة إسرائيل يعتقدون ان أمامهم فرصة لاستثمار هذا التحول في المنطقة. فالتراجع العربي واضح، خاصة بعد تدمير الجيشين العراقي والسوري، مع استمرار التركيز على تهيئة الظروف للقضاء على الجيش المصري، حتى تتواصل سلسلة الضعف العسكري العربي. الأمر الإيجابي انتفاضة الحكومة المصرية المتسارع لحماية أمنها القومي المهدد من السودان وليبيا والصومال.
وتدمير المشهد المحيط بإسرائيل له أهدافه المبيتة. الهدف الاستراتيجي الكبير الذي تعمل عليه إسرائيل منذ عقود هو تقديم نفسها كمدير لمشروع إعادة تعمير (الشرق الأوسط الكبير الجديد)، وما يحدث في غزة الآن يُعد البداية الفعلية لمشروع التطوير العقاري الكبير، والذي سوف يُغطى بمظلة السلام ورايات الاتفاقيات الإبراهيمية.
هل نستسلم؟ الإجابة واضحة: لا!
الحل بيدنا، بالذات الحل العملي الذي يستوعب هذه المخاطر والتحوط ضد جنون وغطرسة القوة الأمريكية المستعدة ان تضرب وتخرب أينما تشاء، خصوصاً في المواقع البعيدة عنها! وتصريحات الصهيوني البارز السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام في إسرائيل في 16 يناير الجاري تعزز مخاوف شعوب المنطقة من نوايا امريكا ورعونة سياستها الخارجية.
هذا الصهيوني الأمريكي يرى ان الشرق الأوسط في حقبة حروب «دينية ستحدد مصير المنطقة لألف عام»، فالمسلمون الإرهابيون الجهاديون -كما يزعم ويروج- هدفهم قتل اليهود أينما وجدوا.
جاء إلى إسرائيل ليقول هذا الكلام حتى يصب الزيت على النار!
لذا، ولحماية المنطقة من مشاريع التخريب الجارية، الحكومات العربية والإسلامية أمامها مسؤولية تاريخيّة لحماية شعوبها، فالمهددات الوجودية تتطلب سرعة إنشاء (تحالف جديد للتعاون والتنمية والأمن) يضم الدول العربية والإسلامية. هذا التحالف ليس حلفاً عسكرياً تقليدياً يُثير التصعيد، بل هو منظومة إقليمية تركز على التعاون الاقتصادي والتنموي والأمني المشترك. إنشاؤه أصبح ضرورة وجودية لحماية مصالح شعوب المنطقة، ولإيقاف مسلسل الاتفاقيات الإبراهيمية (حصان طروادة) ولإيقاف مسلسل التدمير الكبير الذي يتنقل بين دول المنطقة، دولة بعد دولة!
من خلاله يمكن إلغاء مفهوم (الشرق الأوسط الكبير) الذي تم تسويقه علينا، وأصبحنا نستخدمه دون وعي بخطورته، فالغرض تهيئة المنطقة نفسياً وفكرياً لقبول مبدأ توسيع وتعديل الحدود والتجمعات البشرية.
إذا كانت أمريكا تفكر في إعادة رسم خريطة المنطقة، كما أشار توم باراك بكل صراحة ووقاحة، فهذا أمر متوقع من الدول الإمبريالية التي ترى العالم العربي والإسلامي (قلب العالم) منطقة نفوذ دائمة لن تتخلى عنها لصالح قوى دولية جديدة. هذه النوايا الغربية ليست قدراً محتوماً؛ بإمكاننا إبطالها وإفشال مخططاتها عبر فضح العملاء المزروعين داخل المنطقة، سواء كانوا أفراداً أو دولاً أو منظمات (وظيفية) تسهل التدخلات الأجنبية، كما نراها بوضوح في تطورات اليمن والسودان والصومال، وليبيا.
المنظمة المنتظرة لأجل تطوير التعاون والأمن والتنمية بين الدول العربية والإسلامية هي المسار الإيجابي العملي لحماية المنطقة من دوامة صراع القوى الكبرى الطامعة في ثرواتها وحيوية موقعها الجغرافي.
نحتاج تجمعا تقوده منظمة تدفع الشعوب لبناء بلادها وتعميرها بمقومات الحياة والكرامة الإنسانية، حتى تؤسس جبهات داخلية قوية، وتوسع الأفق السياسي للتطور المستمر، وتقضي على بنية الفقر الاجتماعي التي تُضعف الدول من الداخل.
من أبرز نقاط القوة في هذا التحالف تحويل دوله الأعضاء إلى منطقة جاذبة لاستعادة العقول المهاجرة. مع تزايد الصرامة في سياسات الهجرة في الدول الغربية، ومع برامج الأحزاب المطروحة لتقليص أعداد المهاجرين، هنا تبرز فرصة حقيقية لاستقبال واستيعاب النخبة المتعلمة من أبناء الجاليات العربية والإسلامية الذين يواجهون تحديات كبيرة في الخارج. هذا الاستقطاب سيُعزز التنمية البشرية والاقتصادية، ويُعيد بناء القدرات الوطنية.
كما أن هذا التحالف سوف يقضي على (الدول والأقليات الوظيفية) التي تضع نفسها مطية ومعبراً للأجنبي الطامع بالهيمنة.
الدور الوظيفي هو الذي يُسهل التدخلات الأجنبية عند الحاجة، والآن نرى أشكاله الحديثة المتجددة. على سبيل المثال، الموقف المتشدد السعودي في رفض التطبيع مع إسرائيل والدخول في الاتفاقيات الإبراهيمية دفع الصهاينة إلى طرح إمكانية التحالف مع (القومية الهندية) كبدائل جديدة يساعد في محاصرة المنطقة.
إنهم يسعون لتحويل الهند من صديق وداعم للقضايا العربية إلى عدو جديد، وهذه الخطوة سوف تضعنا في حالة تأهب لصراع قادم مع قومية جديدة، خاصة مع احتمال تراجع تهديدات القومية الفارسية. هدف الصهاينة تهيئة المجال لتحالف بين القوميتين المتطرفتين اليهودية والهندوسية، وهو سيناريو قد يبدو مستبعداً لدى البعض، لكنه متوقع في عالم عربي اعتاد على المفاجآت السياسية الإقليمية والدولية. فعدم الاهتمام بالمستقبل يجعل العالم العربي عرضة لإدارة الأزمات المتلاحقة بسبب ضعف مؤسسات الأبحاث والدراسات وصنع السياسات المستقبلية، خاصة تلك التي تمس الأمن القومي.
والتحالف الجديد المقترح يُعالج هذا الضعف عبر بناء منظومة تعاون مستقلة، تركز على التنمية والأمن المشترك دون الوقوع في فخ التصعيد العسكري أو التبعية الخارجية. هذا هو السبيل الأمثل والممكن لإخراج المنطقة من دوامة الصراع، ولإعادة بنائها على أسس الكرامة والاستقلال وقوة الجبهة الداخلية.
وربما لا نحتاج إعادة اختراع العجلة، فيمكن مرة أخرى توسيع منظمة التعاون الإسلامي، (والتي كانت تُعرف سابقًا باسم منظمة المؤتمر الإسلامي، وتأسست عام 1969 بعد حريق الأقصى، وقد قامت على مبدأ (الدفاع عن شرف وكرامة المسلمين) المتمثلة في القدس وقبة الصخرة، وبما أن هذا كان القاسم المشترك بين جميع فئات المسلمين حينذاك، ومازال، الآن حماية وحدة الدول الإسلامية ومنع تقسيمها هو قاسم مشترك لجميع العالم الإسلامي.