د. عبدالحليم موسى
لم تكن قصة الرجل الغاني استثناء في مسار التاريخ الإنساني، بل جاءت بوصفها حلقة جديدة في سلسلة طويلة من حالات الإقناع الجماهيري القائم على الخوف والخلاص المؤجل، فكلما ضاق أفق الإنسان واشتدت أزماته الوجودية، اتسع مجال الوهم المقنع، وازداد الاستعداد النفسي لتصديق الوعود الكبرى مهما بدت هشاشتها، وهذه الظاهرة تكشف عن جانب أساسي في النفس البشرية، حيث تتشابك الرغبة في الأمان مع الحاجة إلى الاعتقاد بفكرة كبيرة، أيا كان مصدرها أو مدى تحققها الواقعي.
هذا الرجل الغاني، الذي لن ينساه التاريخ، امتلك شيئا أكثر قيمة من المعرفة الهندسية أو أدوات البناء؛ لقد امتلك رؤية ثاقبة وقدرة على إقناع الآخرين، لقد كان يعرف أنّ البشر غالبا ما يقاومون التغيير، وأنّ الخوف من المجهول أقوى من شغفهم بالنجاة، ولذلك اعتمد على أسلوب فريد في الإقناع، قائم على التدرج في العرض والاقتراب من عاطفة الجمهور.
بدأ بسرد قصص عن الأمواج التي ابتلعت حقولا ومنازل، ثم تحدث عن سفن عظيمة تجلب الأمن والحماية، وشيئا فشيئا بدأ الناس يصدقونه، ليس فقط لأنّه كان صادقا، بل لأنّه كان يلمس مخاوفهم وآمالهم في آن واحد.
حينما بنى نوح عليه السلام سفينته في صحراء الفكر الجمعي، سخر قومه من مشروع لا يشبه واقعهم ولا منطقهم السائد، غير أنّ الفارق الجوهري هنا أنّ السفينة كانت استجابة لوحي إلهي، وأنّ الطوفان تحقق حدثاً واقعياً ملموساً لا تأويلاً خطابياً.
ومع ذلك، ظلت هذه القصة مرجعاً رمزياً يستدعى مراراً لتبرير مشاريع خلاص زائفة، كما في الحالة الغانية، حيث جرى توظيف الرمز الديني دون تحقق الحدث نفسه، ويمكن القول إنّ الإنسان على الدوام يبحث عن العلامات والرموز التي تمنحه شعوراً بالاستقرار، حتى ولو كانت وهمية، وما فعله الرجل الغاني استند على هذه الرغبة النفسية العميقة في الأمل والخلاص.
وفي الحالة الغانية نفسها، لم يقتصر تأثير الرجل على اللحظة التاريخية، بل تجاوزها إلى العصر الرقمي، فصار أيقونة على مواقع التواصل الاجتماعي، واكتسب شهرة واسعة بين متابعيه، حتى أصبح من أشهر المعلنين الذين يروجون لأفكاره وأسلوبه في الإقناع، وحينما اشترى سيارة مرسيدس فاخرة من أموال أتباعه الذين باعوا أملاكهم ليركبوا سفن النجاة، برر امتلاكه للمرسيدس أمام أتباعه بأسلوب متقن، مؤكداً أنّ امتلاكه للفخامة جزء من مشروع النجاح والخلاص، وأنّه نموذج حي لما يمكن تحقيقه بالثقة والطاعة للقيادة.
هنا يتجلى البعد النفسي العميق في القدرة على إعادة تفسير الفشل أو النجاح، وتحويل الذات الرمزية للقائد إلى أداة جذب وطمأنة جماعية، وهو ما يوضح كيف يمكن للرمز الفردي أن يصبح منصة لإقناع الآخرين، حتى في غياب الحدث الواقعي نفسه.
وفي العصر الحديث، تكررت الظاهرة في سياقات مختلفة، وهي ما تؤكد أن البنية النفسية والاجتماعية للجماعة أكثر ثباتا من أي جغرافيا أو ثقافة محددة.
ففي الولايات المتحدة عام 2011، أعلن الواعظ هارولد كامبينغ أن نهاية العالم ستقع في يوم محدد، فباع الآلاف ممتلكاتهم وتركوا أعمالهم، وانتظروا ساعة الصفر، وعندما لم يحدث شيء، لم ينهار الخطاب، بل أعيد تفسير الفشل بوصفه حدثاً روحياً غير مرئي.
ويشير عالم الاجتماع بيتر بيرغر إلى أن الجماعة المؤمنة تفضل تحريف الواقع على تحطيم الإيمان، لأن الاعتراف بالخطأ يهدد تماسكها النفسي والوجودي، ويكشف هشاشة العلاقة بين الفرد والمجموعة حين يتوقف النقد والوعي.
وفي تسعينيات القرن الماضي، قاد مارشال آبلوايت أتباعه في طائفة بوابة السماء إلى الاعتقاد بأن مركبة فضائية ستنقلهم إلى حياة أسمى، مستثمرا الخوف الوجودي من العبث والموت، وانتهت القصة بانتحار جماعي، في واحدة من أكثر النهايات مأساوية لسلطة الإقناع الكاريزمي حين ينفلت من أي ضابط أخلاقي أو عقلاني.
أما في المجال المالي، فقد استطاع برنارد مادوف إقناع آلاف المستثمرين بأنهم جزء من نظام مالي عبقري وآمن، مستنداً إلى صورته الاجتماعية وكاريزماه الشخصية أكثر من استناده إلى أرقام حقيقية.
وعندما انهار الوهم، اتضح أنّ الثقة بالشخص كانت أقوى من منطق الحساب.
ويؤكد عالم النفس روبرت تشالديني أنّ الناس يميلون إلى الثقة بالشخص قبل الفكرة، وبالهيئة قبل الدليل، وهو ما يربط بين هذه الظواهر وبين مفهوم القيادة الكاريزمية في العلوم الاجتماعية.
وخلال جائحة كورونا، أعادت الظاهرة إنتاج نفسها بصيغ رقمية جديدة، حيث ظهرت شخصيات ادعت امتلاك علاجات سرية أو معلومات حصرية عن كوارث قادمة أو نهايات وشيكة، مستثمرة حالة الهلع الجماعي. لم تكن السفن هنا خشبية، بل رقمية، تحمل وعود النجاة عبر منشورات ومقاطع فيديو، وتعيد النمط نفسه: الخوف، ثم الوعد، ثم التبرير، وهنا تتضح أهمية الفهم النقدي للميديا الرقمية وأثرها في تكريس هذه الأنماط السلوكية، حيث يصبح الوهم أداة تحكم جماعية ووسيلة لإعادة إنتاج السلطة الرمزية للقائد.
تشترك جميع هذه الحالات في عناصر ثابتة تتمثل في وجود أزمة وجودية أو خوف جمعي، وظهور قائد كاريزمي يمتلك خطابا بسيطا ومطمئنا، ووعد بالخلاص المؤجل، ثم تبرير ذكي عند الفشل، وجمهور يفضل الوهم على الفراغ، ويذهب الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الكذب ذاته، بل في تعليق العقل النقدي للجماعة، فحين يتوقف السؤال يبدأ الاستغلال، كما أنّ هذه الظواهر تعكس التوتر الدائم بين العقل والعاطفة، بين الرغبة في الأمان والقدرة على النقد، وهو ما يجعل القائد الكاريزمي رمزا مركزيا في تحويل الطموحات الفردية إلى سلوك جماعي موحد.
لا تفضح قصة الرجل الغاني ضعف الإنسان بقدر ما تكشف عطشه العميق للمعنى، وحين يغيب الوعي النقدي، تتحول النية الحسنة إلى وقود للوهم، ويصبح الإقناع سلاحا ذا حدين، إمّا أن ينقذ الإنسان أو يقوده إلى خيبة جماعية مدمرة.
فأخطر الطوفانات ليست تلك التي تأتي من السماء، بل تلك التي تنشأ في العقول حين يعطل السؤال، ويقدس القائد، ويستبدل العقل بالأمل الأعمى، وهذه الدروس، من غانا إلى نوح ومن جائحة كورونا إلى الخدع الاستثمارية، تؤكد أنّ الإقناع العاطفي الفلسفي قوة محركة، تتطلب وعياً جماعياً ومسؤولية أخلاقية لمن يقودها، وقد تتكرر الظاهرة في العقود القادمة بأساليب متجددة وتشتد خطورتها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.